قبل أن أذكر المواقف الإسلامية في هذا الموضوع أحب أن أقدم لذلك بذكر حديث عظيم كان له أثر بالغ في إخلاص كثير من العلماء على مر العصور , وقد أخرج هذا الحديث الإمام أبو عيسى الترمذي وحسنه من حديث الوليد أبي عثمان المدائني عن عقبة بن مسلم أن شُفَيّا الأصبحيَّ حدثه أنه دخل المدينة , فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس , فقال: من هذا ؟ فقالوا أبو هريرة, فدنوت منه حتى قعدت بين يديه وهو يحدث الناس , فلما سكت وخلا قلت له أنشدك بحقِّ وبحقِّ لما حدَّثتني حديثًا سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عقلتهُ وعلمتهُ , فقال أبو هريرة أفعلُ , لأُحدِّثنك حديثًا حدَّثنيه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عقلتُهُ وعلمتُهُ , ثمَّ نَشَغَ (1) أبو هريرة نشغةً , فمكث قليلًا ثم أفاق, فقال: لأحدثنك حديثًا حدَّثنيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا البيت ما معنا أحد غيري وغيرهُ , ثم نشغ أبو هريرة نشغةً أخرى , ثم أفاق فمسح وجههُ فقال: لأُحدثنك حديثًا حدَّثنيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا وهو في هذا البيت ما معنا أحد غيري وغيره , ثم نشغ أبو هريرة نشغة أخرى ثم أفاق ومسح وجهه فقال: أفعلُ لأحدثنك حديثًا حدثنيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا معه في هذا البيت ما معه أحد غيري وغيره, ثم نشغَ أبو هريرة نشغة شديدة , ثم مالَ خَارّا على وجهه فأسندته علي طويلًا .
(1) …نشغ نشغة: أي شهق حتى كاد يغمى عليه , ويحصل ذلك للإنسان إذا اشتد أسفه على فائت .