فهذا يبين أهمية الفقه في الإسلام , حيث جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك شرطا لتمام الخيرية , وفي الحديث إشارة إلى أن أسباب الكمال في الإنسان منها مايكون متأصلا في الإنسان بحكم الوراثة والتربية, فيكون ميالا إلى فعل الخير والإحسان إلى الناس وكف الأذى عنهم , فإذا اجتمع مع ذلك الإسلام والفقه في الدين فإن هذه الميول الخيرية تتحول إلى وجهها الصحيح , فبدلا من الكرم الحاتمي الذي يراد به الذكر الدنيوي , كما قال حاتم الطائي:
أماويَّ إن المال غادٍ ورائح ………ويبقى من المال الأحاديث والذكر
فإن الكرم يتحول إلى إرادة الأجر الأخروي , وبدلا من أن يبذل الكريم هذا الكرم إلى أصحاب اللسان والشهرة ليحصل منهم على الذكر الدنيوي فإنه في الإسلام يبذله لمستحقيه وإن كانوا فقراء مغمورين , لأنه لايطلب ثناءهم وإنما يطلب الأجر من عند الله تعالى , وبدلا من الافتخار بالكرم ليحصل على أثره الذكر يكون إخفاء الصدقة في الإسلام ليكون الأجر في الآخرة أكبر .
والشجاعة بدلا من أن تكون للذكر والفخر بين الناس فإنها في الإسلام مع الفقه في الدين تكون لابتغاء رضوان الله تعالى والدار الآخرة .
وهذه الأخلاق الكريمة بدلا من أن تكون قاصرة على البروز عند رؤية الناس واطلاعهم تكون في الإسلام مع الفقه سارية المفعول في كل الأحوال , لأن المسلم الذي يتحلى بها يطلب اطلاع الله جل وعلا , وهو مطلع على عباده في كل أحوالهم , ولذلك فإن أعمال الخير في الإسلام مع الفقه في الدين تكون مضاعفة لأنها غير محدودة بمكان معين أو زمان معين .
وفي تصوير شغف طلاب العلم يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"منهومان لايشبعان: منهوم في علم لايشبع , ومنهوم في دنيا لايشبع".
أخرجه أبو عبد الله الحاكم رحمه الله من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه , وصححه على شرط الشيخين وأقره الحافظ الذهبي رحمه الله (1)
(1) …المستدرك 1/92 .
(2) صحيح الجامع الصغير رقم 6272 .