وقد ذكر أحاديث في ذلك ثم قال: وأما إن كان أصل العمل لله ثم طرأت عليه نية الرياء فإن كان خاطرًا ودفعه فلا يضره بغير خلاف , وإن استرسل معه فهل يحبط به عمله أم لايضره ذلك ويجازَى على أصل نيته ؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير الطبري , ورجحا أن عمله لايبطل بذلك , وأنه يجازَى بنيته الأولى , وهو مروي عن الحسن البصري وغيره , وذكر ابن جرير أن هذا الاختلاف إنما هو في عمل يرتبط آخره بأوله كالصلاة والصيام والحج , فأما ما لا ارتباط فيه كالقراءة والذكر وإنفاق المال ونشر العلم فإنه ينقطع بنية الرياء الطارئة عليه ويحتاج إلى تجديد نية .
قال: فأما إذا عمل العمل خالصا , ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك , ففرح بفضل الله ورحمته واستبشر بذلك لم يضره ذلك (1) .
وفي هذا الحديث بيان لما كان يتصف به حافظ الأمة أبو هريرة رضي الله عنه من خشية الله تعالى, حيث أصيب بالإغماء أربع مرات وهو يشرع بالتحديث بهذا الحديث , وإنما اعتراه الخوف وعلَتْه الخشية لأنه من العلماء الذين ينشرون علمهم , والحديث قد ذُكر فيه القراء المراؤون , وهذا يشمل قراء القرآن الذين يراؤون الناس بتلاوتهم أو بصلاتهم , كما يشمل العلماء الذين يراؤون الناس بنشر علمهم , فخشي أبو هريرة أن يكون صدر منه شيء يسير من الرياء , مع ما اشتهر به من الورع والتقوى .
وكذلك يظهر في هذا الحديث اتصاف أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه بالخشية , حيث بكى بكاء شديدًا وأغمي عليه عند سماعه هذا الحديث , وقد أجاد حينما استشهد بقول الله تعالى [هود: 15 - 16] فالدنيا لاتجتمع مع الآخرة من حيث الغاية , فمن كانت الدنيا هي غايته في العمل خسر سعادة الآخرة وباء بشقائها , ومن كانت الآخرة هي غايته فاز بسعادتها ونجا من شقائها مع حصوله في الدنيا على ماكتب له من خيرها .
(1) …جامع العلوم والحكم 1/97 - 83 .