وفي هذا المعنى أخرج ابن جرير الطبري من خبر قبيصة بن جابر قال: خرجنا حجاجا , فكنا إذا صلينا الغداة (1) اقتدنا رواحلنا نتماشى نتحدث , قال: فبينا نحن ذات غداة إذ سنح لنا ظبي أو برح (2) فرماه رجل منا بحجر فما أخطأ خُشَّاءه (3) , فركب ردعه ميتا (4) قال: فعظَّمنا عليه , فلما قدمنا مكة خرجت معه حتى أتينا عمر , فقصَّ عليه القصة , قال: وإذا إلى جانبه رجل كأن وجهه قُلْبُ فضة (5) - يعني عبد الرحمن بن عوف - فالتفت إلى صاحبه فكلمه , قال: ثم أقبل على الرجل قال: أعمدًا قتلته أم خطأ ؟ قال الرجل: لقد تعمدت رميه وما أردت قتله , فقال عمر: ماأراك إلا أشركت بين العمد والخطأ , اعمد إلى شاة فاذبحها وتصدق بلحمها , وأَسْقِ إهابها (6) .
قال: فقمنا من عنده فقلت: أيها الرجل عَظِّم شعائر الله فما درى أمير المؤمنين مايفتيك حتى سأل صاحبه , اعمد إلى ناقتك فانحرها فلعل ذاك (7) , قال قبيصة: ولا أذكر الآية من سورة المائدة [ المائدة: 95] .
قال: فبلغ عمر مقالتي , فلم يفجأنا منه إلا ومعه الدِّرة (8) قال: فعلا صاحبي ضربا بالدرة, وجعل يقول: أقتلت في الحرم وسفهت الحكم ! قال: ثم أقبل علي فقلت: يا أمير المؤمنين لا أحل لك اليوم مايحرم عليك مني !
(1) يعني صلاة الفجر.
(2) سنح أتى من اليسار وبرح أتى من اليمين.
(3) الخشاء هو العظم الدقيق العاري من الشعر الناتئ خلف الأذن.
(4) أي خر لوجهه ميتا على دمه.
(5) القلب بضم القاف وسكون اللام السوار , أراد وصف وجهه بالبياض.
(6) أي أعط جلدها من يدبغه ويتخذه سقاء.
(7) يعني يجزئ عنك.
(8) أي العصا.