الصفحة 21 من 62

أين الملوك التي كانت نواهلها……من كل أَوْب إليها راكب يفدُ

حوض هنالك مورود بلا كذب……لابد من ورده يومًا كما وردوا (1)

فهذا مثل من تواضع أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وشكره لله تعالى, حيث ذكر ماضيه يوم أن كان راعي إبل ثم أصبح راعي أعظم أمة على وجه الأرض , وقد تمثل بهذه الأبيات الشعرية التي تُذكِّر بعدم الخلود لشيء في هذه الحياة الدنيا مهما بلغ من الرفعة والقوة , وإن في ذلك لعبرة وذكرى لصاحب العقل السليم , حتى لايغتر بما لديه من جاه وقوة , فإن مصير ذلك إلى الزوال.

ومن ذلك ما أخرجه المؤرخ عمر بن شبَّة النميري من خبر نُعيم بن هزّال رضي الله عنه قال قال عمر رضي الله عنه: تجدُ الرجل يلبس الصوف لو ظُلم ما انتصر وإنَّ قلبه في ذلك لمملوء كبرًا وإعجابًا , وإنك لتجد الرجل يتجمل في ثيابه وفي كثير من أمره وإن في قلبه الخشوع والتواضع , وذلك أملك التواضع بالعبد (2) .

ففي هذا الخبر بيان أهمية التواضع , وأن الحكم على الناس ينبغي أن يكون منطلقًا من أخلاقهم وأعمالهم , لا من مجرد مظاهر النسك والعبادة فيهم , فالعبادة إذا أثمرت التخلق بالغرور والإعجابَ بالنفس والتكبر على الخلق ولم تثمر التخلق بالتواضع والاستقامة في السلوك فإنها عبادة ينقصها الخشوع وحضور القلب مع الله تعالى.

إن من أهم فوائد الشعائر التعبدية أنها تربي المسلم في الدنيا على استقامة السلوك والتخلق بمكارم الأخلاق , وتوصل في الآخرة إلى رضوان الله جل وعلا ورفعة الدرجات في الجنة , فإذا كانت تؤدي إلى مساوئ الأخلاق , من الغرور والكبر والإعجاب بالنفس فإن صاحبها قد خسر خسرانًا مبينا وظلم نفسه ظلما كبيرًا.

(1) …تاريخ دمشق 44/316.

(2) …تاريخ المدينة المنورة لابن شبة /856.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت