لأن الخشية منزلة تجعل من طالب العلم- لا أقول عاملًا بما يعلم فحسب، بل داعيًا غيره .
آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر ، دون مخافةٍ في الله لومة لائم .
وهذه صفة العالم الرباني ؛ ولأن العلم بالخالق ، وأسمائه وصفاته ، يورث مراقبته..وقدره سبحانه حق قدره ، وهذه حقيقة الخشية .
وبالعكس..فإن خشيته سبحانه تورث عناية من الله تعالى بعبده يرزق بها مزيدًا من العلم .
والحب لله تعالى يقتضي الاتباع كما قال: (( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ) )ولايكون الاتباع لأحد في الأصل إلا عن معرفة به ، وهو ما يلزم من الخشية .
قال الراغب: (( الخشية خوف يشوبه تعظيم وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه ) ). وهذا دقيق بتأمل السياقات التي ورد فيها ذكر الخشية .
والخشية تمنع صاحبها من الكذب..الذي ينافي العلم..ويناقضه جملة وتفصيلًا..ولهذا ترد رواية الضعيف فضلًا عن الكذاب أو المتهم .
ولهذا أيضًا تجد الخوارج لا يقعون في الكذب ، ويروي عنهم البخاري وغيره، برغم بدعتهم المغلظة ..ولا يكفّرون على الصحيح..وبدعتهم على التحقيق: أنهم عبدوا الله بالخوف وحده ثم غلوا فيه حتى عميت أعينهم عن آيات سوى الترهيب ، بخلاف الرافضة فهم أكذب الطوائف .
وأما الرجاء..فالغالب في الناس أنهم يرجون الله وما عنده ؛ لأن النفس مجبولة على حب ذاتها والطمع..دون ارتباط ذلك بالعلم بنفس الوتيرة الذي يرتبط به الخوف أو الخشية بتعبير أدق .
فإن قيل قد قدّمت الخوف على منزلة الحب، والمعلوم أن الحب بمثابة رأس الطائر كما يقول الإمام بن القيم..والخوف والرجاء جناحاه .
قلت: ليست الخشية هي ذات الخوف..بل هي معنىً يلتئم من الخوف والتوقير والإجلال: (( فلا تخشوهم واخشوني ) ).