)) الحديث [1] ، و لقد كان أصحاب رسول الله ? في غاية الحذر و التحذير من أن يتعمد قصورًا في ذلك فيما جاء به رسول الله ? .
ثبت عن ابن عمر أنه سمع النبي ? قال: (( لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ المَسَاجِدَ إِذَا استَأذَنَّكُم إِلَيهَا ) )
قال: فقال بلال بن عبد الله: و الله لَنَمنَعَهُنَّ ، قال: فَأَقبَلَ عليهِ عبد اللهِ ، فسبَّه سبًّا سيِّئًا ، ما سمعته سَبَّهُ مثله قطُّ ، و قال: أخبرك عن رسول الله ? ، و تقول: و الله لنمنعهنَّ! [2]
و هكذا عبد الله بن مغفل رضي الله عنه: أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَخْذِفُ، فَقَالَ لَهُ: لَا تَخْذِفْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ? نَهَى عَنْ الْخَذْفِ، أَوْ كَانَ يَكْرَهُ الْخَذْفَ، وَقَالَ: (( إِنَّهُ لَا يُصَادُ بِهِ صَيْدٌ وَلَا يُنْكَى بِهِ عَدُوٌّ، وَلَكِنَّهَا قَدْ تَكْسِرُ السِّنَّ، وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ ) ). ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَخْذِفُ، فَقَالَ لَهُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ? أَنَّهُ نَهَى عَنْ الْخَذْفِ أَوْ كَرِهَ الْخَذْفَ وَأَنْتَ تَخْذِفُ، لَا أُكَلِّمُكَ كَذَا وَكَذَا )) [3] ،
(1) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب المساجد و مواضع الصلاة ، باب صلاة الجماعة من سنن الهدى ( 654 ) و أبو داود ( 550 ) .
(2) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة، و أنها لا تخرج مطيبة ( 442 ) .
(3) متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الذبائح و الصيد ، باب الخذف و البندقة (5479 ) ، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الصيد و الذبائح ،باب إباحة ما يستعان به على الاصطياد و العدوّ، و كراهة الخذف ( 1954 ) .
-عن عطاء بن يسار رحمه الله ؛ أن معاوية باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها ، فقال له أبو الدرداء: (( سمعت رسول الله ? ينهى عن مثل هذا إلا مثلًا بمثل ) ).
فقال معاوية: (( ما أرى بهذا بأسًا ) ). فقال أبو الدرداء: (( من يعذرني من معاوية ! أُحدثه عن رسول الله ? ، و يخبرني عن رأيه ! لا أُسَاكِنُك بأرضٍ أنت بها ) ).
ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب رضي الله عنه ؛ فذكر له ، فكتب عمر إلى معاوية: (( أن لا تبع ذلك إلاَّ مِثلًا بِمثلِ ، ووزنًا بوزن ) )أخرجه مالك في (( الموطأ ) ) ( 2 / 133 / 33 ) .
-و عن أبي قلابة ، قال: (( كنت بالشام في حلقة فيها مسلم بن يسار ، فجاء أبو الأشعت ، قال: قالوا: أبو الأشعت أبو الأشعت . فجلس ، فقلت: حدِّث أخانا حديث عبادة بن الصامت .
قال: (( نعم ؛ غزونا غزاة - و على الناس معاوية - ، فَغَنِمنا غنائمَ كثيرة ، فكان فيما غنمنا آنية فضة ، فأمر معاوية رجلًا أن يبيعها في أعطيات الناس ، فتسارع الناس في ذلك ، فبلغ عبادة بن الصامت ، فقام فقال: (( إني سمعتُ رسول الله ? ينهى عن بيع الذهبِ بالذهبِ ، و الفضَّة بالفضَّة ، و البُرَّ بالبُرَّ ، و الشعير بالشعير، و التمرِ بالتمرِ ، و الملح بالملح ؛ إلا سواء بسواء ، عينًا بعين ، فمن زاد أو ازدادَ فقد أربَى ) ).
فرد الناس ما أخذوه ، فبلغ ذلك معاوية ، فقام خطيبا ، فقال: (( ألا ما بالُ رجال يتحدَّثون عن رسول الله ? أحاديث قد كُنَّا نشهده و نصحبهُ ؛ فلم نسمعها منه ) )!
فقام عبادةُ بن الصامت فأعاد القصة، ثم قال: (( لنَتَحَدَّثَنَّ بما سمعنا من رسول الله ? - و إن كره معاوية - ما أبالي أن لا أصحبه في جنده ليلة سوداء ) ). أخرجه مسلم ( 1587 ) و البيهقي في (( السنن الكبرى ) ) ( 5 / 277 ) .
قلت: هذه الآثار العظيمة فيها بيان حرص الصحابة رضي الله عنهم على سنن رسول الله و هديه ، و عدم التفريط في ذلك و طاعتهم لرسول ? ، عن ابن عباس في قول الجن: { وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا } [ الجن: 19] ، قال: (( لمَّا رأوه يصلي بأصحابه، و يصلون بصلاته، و يركعون بركوعه، و يسجدون بسجوده؛ تعجبوا من طواعية أصحابه له ، فلما رجعوا إلى قومهم قالوا: { وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ } يعني النبي ? { يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا } ) )صحيح . أخرجه أحمد في"المسند" ( 1 / 252 ، 270 ) رقم ( 2271 ، 2431 ـ شاكر ) .
قال الحميدي: ذكر للشافعي يومًا حديثًا؛ فقال له رجل: أتقول به يا أبا عبد الله ؟ فاضطرب و قال: (( يا هذا ! أرأيتني نصرانيا؟! أرأيتني خارجا من كنيسة؟! أرأيت في وسطي زنارًا ؟! أروي حديثًا عن رسول الله ? و لا أقول به ) )!! أثر صحيح . أخرجه البيهقي قي"مناقب الشافعي" ( 1 / 173 )
تأملوا يا رعاكم الله قول الشافعي ؛ نظر الله أولئك الأفذاذ كانوا لا يتجاوزون قول رسول الله ?؛ أعزهم الله و رفع قدرهم بقدر تعظيمهم لدين الله ، و الناظر لحال كثير منا اليوم يرى العجب في الرد الصريح لأحاديث رسول الله ?، بل بعضهم تجرأ على أحاديث في صحيح البخاري سندها ساطع كالشمس في رابعة النهار؛ كما هو حال القرضاوي و من سار على طريقه ، و ليس هذا موضع بيان بسط هذه المسألة فقد ألف في ذلك الرسائل ، ارجع إليها هديت للخير .