فهرس الكتاب

الصفحة 296 من 360

وعلى هذا التقرير يحمل قول الفراء-رحمه الله تعالى- في وجه الاستثناء:" {إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ ... } "الأعلى/7"وهو لم يشأ أن تنسى شيئًا، كقوله - جل جلاله: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ ... } "هود/107"، ولا يشاء [1] ، ويقال في الكلام: لأعطينك كل ما سألت إلا ما شئت، وإلا أن أشاء أن أمنعك، والنية على أن لا يمنعه شيئًا، فعلى هذا مجاري الأيمان، يستثنى فيها، ونية الحالف التمام" [2] ؛ إذ لا وجه لنفي النسيان مطلقًا [3] ، وقد ثبت من طريقٍ صحيحٍ، إلا على سبيل نفي النسيان الكلي كما سبق تقريره، وكما يُحْمَلُ عليه قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث بدء الوحي الذي رواه الحارث في مسنده: (فما نسيت شيئًا بعد) [4] .

ومن أعظم فوائد الاستثناء ومقتضياته المنهجية في تعليم القرآن الكريم ما قرره الآلوسي من:"أن الله -تعالت قدرته- يُعْلِمُ عباده بضعفهم وقدرته، حتى يعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن عدم النسيان من فضله تعالى، وإحسانه لا من قوته، أي حتى يتقوى على ذلك جدًا، أو ليعرف غيره ذلك" [5] .

وهو تأكيدٌ على المصدرية الإلهية، ومقتضياتها.

المطلب الثاني: معالجة مشكلة التهمة بقصور العاطفة البشرية، والتفكير البشري:

(1) أظهر منه قوله تعالى: {وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا} "الإسراء/86"، ولم يشأ -سبحانه- ذلك، وصرَّح بذلك من أئمة اللغة أبو إسحاق، ثم ذكر في توجيه الآية قريبًا مما قُرِّر هاهنا فقال:"ويجوز أن يكون (إلا ما شاء الله) مما يلحق بالبشرية، ثم يتذكر بعد، ليس أنه على طريق السلب للنبي - صلى الله عليه وسلم - شيئًا أوتيه من الحكمة". انظر: لسان العرب 14/ 132، مرجع سابق، وانظر في ورود كلام مستثنى منه ولا يقتضي التحقق: شرح العقيده الطحاوية ص425، مرجع سابق.

(2) (الفراء) أبي زكريا يحي بن زياد ت 207هـ: معاني القرآن 3/ 256 دار السرور - تحقيق: أحمد يوسف نجاتي، محمد علي النجار، وقريبٌ منه قول من قال:"الاستثناء بمعنى القلة، وأريد بها النفي مجازًا، وقيل الكلام عليه من باب: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ..."انظر: روح المعاني 30/ 190، مرجع سابق.

(3) حتى أن الإمام أبا حيان -رحمه الله تعالى- في البحر المحيط 8/ 458، مرجع سابق، نعى على من زعم أن الاستثناء غير مراد، وقال:"يجعل الاستثناء كلا استثناء، وهذا لا ينبغي أن يكون في كتاب الله، ولا في كلام فصيح"، وهو كلامٌ فصيحٌ، ولكن يسَّاقط تثريبه، ثم تثريب الآلوسي -رحمه الله تعالى- عليه بما جُمِع به بين تلك الأقوال في التقرير أعلاه.

(4) مسند الحارث 2/ 867، مرجع سابق.

(5) انظر: روح المعاني 30/ 191، مرجع سابق، وانظر: البحر المحيط 8/ 430، مرجع سابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت