والثاني: أن يرفعه الله عن قلبه [1]
فأما القسم الأول فعارض سريع الزوال لظاهر قوله - جل جلاله - {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} "الحجر/9"،" [2] ، وقال ابن حجر:"وفي الحديث حجة لمن أجاز النسيان على النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما ليس طريقه البلاغ مطلقًا، وكذا فيما طريقه البلاغ، لكن بشرطين: أحدهما أنه بعدما يقع منه تبليغه، والآخر أنه لا يستمر على نسيانه، بل يحصل له تذكره ... إما بنفسه، وإما بغيره، فأما قبل تبليغه فلا يجوز عليه فيه النسيان أصلًا، وزعم بعض الأصوليين وبعض الصوفية أنه لا يقع منه نسيان أصلًا، وإنما يقع منه صورته ليُسَنَّ -أي ليُشَرِّع لمن بعده من المسلمين ما يصنعون إن وقع لهم النسيان-، قال عياض: لم يقل به من الأصوليين أحدٌ إلا أبو المظفر الاسفراييني، وهو قولٌ ضعيفٌ" [3] ."
فقد تضافرت [4] عبارات العلماء على جواز النسيان غير الكلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما أُكثر من إيرادها للأهمية.
وبهذا التقرير يُجْمَعُ بين الأقوال المختلفة في معنى قوله - جل جلاله: {إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ} حال كون هذه الجملة القرآنية تتسع لكل تلك التآويل، وتحتملها من حيث الأصيل الشرعي واللغوي، وبذا لا يكون مبرر لصاحب التحرير والتنوير -رحمه الله تعالى- لكون معنى الاستثناء ينصرف إلى النسخ في التلاوة [5] .
(1) يعني كنسخ العمل المذكور.
(2) فتح الباري 9/ 86، مرجع سابق، والذي قرأ بضم أوله من غير همزة هم الكوفيون وابن عامر ونافع من السبعة، وقرأ أبو عمرو وابن كثير بفتح أوله بهمزة {ننسأها} انظر: متن الشاطبية في القراءات السبع، مرجع سابق عند قول الناظم في فرش سورة البقرة: (وننسخ به ضم وكسر كفى ... وننسها مثله من غير همز ذكت إلى) .
(3) فتح الباري 9/ 86، مرجع سابق.
(4) فائدة: تضافر وتظافر وتظاهر بمعنىً واحد هو التعاون والاجتماع. انظر: لسان العرب 8/ 71، مرجع سابق.
(5) انظر: التحرير والتنوير 30/ 280، مرجع سابق. وثم قولان ضعيفان ذكرهما القرطبي في آخر تأويل هذه الجملة
20/ 19، مرجع سابق.