6 -عرض القرآن بالحروف المأذون بالقراءة بها [1] : إذ قد حُسِمَ أمر عرضه للقرآن كله (لكل ما نزل منه) في كل رمضان بحديث العرضتين الثابت عن ابن عباس، وفاطمة، وأبي هريرة - رضي الله عنه - رضي الله تعالى عنهم، وفي ذلك دلالة على أمرين:
أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يعرض كل ما نزل، وأنه كان يقسم ذلك العروض على ليالي رمضان [2] ، ويدل لذلك حديث ابن عباس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (أقرأني جبريل على حرف فلم أزل أستزيده حتى انتهى إلى سبعة أحرف) [3] .
كما لم تُبْقِ روايات العرض مجالًا لما احتمله ابن حجر-رحمه الله تعالى- [4] من أن العرض محتملٌ أن يقسم ما نزل من القرآن في كل سنة على ليالي رمضان؛ إن أراد به أنه لا يقرأ إلا ما نزل في تلك السنة، أما إن أراد به أنه يخصص لكل ما نزل ليلة فذاك أبعد من حيث زيادة عدد الليالي على عدد سنوات النزول، ومن حيث أن أهداف العرض تأكيد تأليف آياته على ما أراد الله - سبحانه وتعالى -، لا على ترتيب نزولها، وهما مختلفان كما
(1) لا يمكن لنطاق البحث أن يتوسع في شرح مدلول حديث الأحرف السبعة؛ ولكن يقال على سبيل الإجمال: محصِّل ما ورد في هذا الموضوع من أقوال يرجع إلى: أن المراد من الأحرف السبعة من حيث العموم ومراد الحديث، لا من حيث التحديد هو"ما يشمل اختلاف اللهجات، وتباين مستويات الأداء الناشئة عن اختلاف الألسن، وتفاوت التعليم، وكذلك ما يشمل اختلاف بعض الألفاظ، وترتيب الجمل، بما لا يتغير به المعنى المراد"، أو يتغير المعنى بما لا يتضاد به المعنيان الواردان في القراءتين، ويكون الجميع مرادًا، دون تكرار للآية، أو تطويلٍ للمصحف، وفي ذلك تيسير ظاهر،"وهذا دون محاولة حصر تلك الوجوه في سبع لغات، أو وجوه من الخلاف، ويظل معنى الحديث بعد ذلك يشير إلى الرخصة التي جاءت تيسيرًا وحلًا لمشكلة واجهت الجماعة المسلمة، دون تحديد لأبعاد تلك الرخصة، لكنها لا تخرج عن إطار وجوه القراءات المروية".
وما بين علامتي التنصيص الأوليين هو من كلام الدكتور عبد الصبور شاهين، انظر: تاريخ القرآن 61، دار القلم 1966م، وما بين علامتي التنصيص الأُخريين هو من كلام غانم قدوري الحمد، انظر: رسم المصحف 144، مرجع سابق، وانظر أيضًا: (الباقلاني) محمد بن الطيب ت 403هـ: نُكت الانتصار لنقل القرآن، تحقيق د. محمد زغلول سلام، الناشر: منشأة المعارف بالإسكندرية، الطبعة بدون لكل ما سبق.
(2) وقد صرح ابن حجر-رحمه الله تعالى- ببعض ذلك في فتح الباري 9/ 45، مرجع سابق، فقال:"ولولا التصريح بأنه كان يعرضه مرة واحدة، وفي السنة الأخيرة مرتين -لجاز أنه كان يعرض جميع ما نزل عليه كل ليلة، ثم يعيده في بقية الليالي".
(3) البخاري 3/ 1177، مرجع سابق.
(4) فتح الباري 9/ 45، مرجع سابق.