قوله - سبحانه وتعالى - {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} "الحج/52" [1] .
7 -التغني بالقرآن، والجهر به: فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه كان يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (لم يأذن الله لشيء ما أذن للنبي يتغنى [2] بالقرآن) ، وقال صاحبٌ له: يريد يجهر به [3] ، زاد في لفظ له: قال سفيان: تفسيره يستغني به [4] ، وفي لفظ: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن يجهر به) ، وعن معقل بن يسار - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (لا يأذن الله لشيء إذنه لأذان المؤذنين، والصوت الحسن بالقرآن) [5] ، وعند ابن حبان (ما أذن الله لشيء كأذنه للذي يتغنى بالقرآن يجهر به) [6] .
والمعنى:"ما أذن الله لشيء كأَذَنِه لنبي يتغنَّى بالقرآن أي ما استمع الله لشيء كاسْتماعه لنبي يَتَغنَّى بالقرآن أي يْتلُوه يَجْهَر به" [7] .
وقال أبوحاتم بن حبان:"قوله - صلى الله عليه وسلم - يتغنى بالقرآن يريد يتحزن به، وليس هذا من الغُنية، ولوكان ذلك من الغنية لقال (يتغانى به) ، ولم يقل (يتغنى به) وليس التحزن بالقرآن وطيب الصوت، وطاعة اللهوات بأنواع النغم بوفاق الوقاع، ولكن التحزن بالقرآن هو: أن يقارنه شيئان: الأسف والتلهف: الأسف على ما وقع من التقصير، والتلهف على ما يؤمل من التوقير، فإذا تألم القلب، وتوجع، وتحزن الصوت، ورَجَّع، بدر الجفنُ"
(1) انظر: تحليل هذه الآية في الفصل الخامس، وكان هذا التنبيه حتى لا يُظَنَّ أن الإلقاء معنوي فقط، فيجوز أن يكون إلهامًا.
(2) قال ابن حجر في الفتح 9/ 70، مرجع سابق:"قال ابن الجوزي: اختلفوا في معنى قوله (يتغنى) على أربعة"
أقوال: أحدها: تحسين الصوت، والثاني: الاستغناء، والثالث: التحزن، قاله الشافعي، والرابع: التشاغل به، تقول العرب: تغني بالمكان أقام به، وفيه قول آخر حكاه ابن الأنباري في الزاهر قال: المراد التلذذ والاستحلاء له، كما يستلذ أهل الطرب بالغناء، فأطلق عليه تغنيًا من حديث {أنه يفعل عنده ما يفعل عند الغناء} ، وهو كقول لنابغة:
بكاء حمامة تدعو هديلًا مفجعةٍ على فَنَنٍ تغني،
أَطْلَق على صوتها غناءً؛ لأنه يطرب كما يطرب الغناء، وإن لم يكن غناء حقيقة"."
(3) صحيح البخاري 4/ 1918، مرجع سابق.
(4) وفي سنن الدارمي 1/ 765، مرجع سابق: وقال:"يريد به الاستغناء"، ولا شك في ضعف هذا الرأي إن أُريد به نفي الآخر، وليس المقام بمتسعٍ لتفصيل ذلك، فيُكتفَى بالإشارة العابرة أعلاه.
(5) المعجم الكبير 20/ 216، مرجع سابق.
(6) صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان 3/ 30، مرجع سابق.
(7) النهاية في غريب الأثر 1/ 33، مرجع سابق.