ذلك أن غياب الرؤية الإسلامية أو الفقه الإسلامي الشامل عن أي موقع وعدم امتداده يعني وجود الفراغ الذي يسمح بدخول (الآخر) ، أو يؤذن باستدعاء (الآخر) ليصنع للناس رؤيتهم، ويضع لهم أوعية ومناهج لحركتهم، وفلسفات لمعارفهم، في مجال التربية والتعليم والاجتماع والنفس والاقتصاد وسائر المعارف الإنسانية. وهذا لا يعني، ولا يجوز أن يعني، خروج الفقه التشريعي من دائرة العلوم الإنسانية، لأنه يقع في الصميم منها، لكنه يبقى' يغطي بعض جوانب نظام الحياة لا كلها.
لذلك نرى أنه لابد من إعادة طرح مفهوم الفقه من جديد والخروج به عن المعنى الاصطلاحي أو المدلول الاصطلاحي، والعودة به إلى مفهومه الشامل، إلى مدلول الفقه الحضاري، الذي يشمل الأبعاد الحضارية بكل فضاءاتها، فيكون هناك مناهج استنباط، أو علوم أصول فقه: تربوي، ومجتمعي، وسياسي، واجتماعي، واقتصادي، ومعرفي بشكل عام، ليغطي جميع شعب المعرفة وجوانب الحياة، ولا يقتصر على الجانب التشريعي فقط.
وعليه يمكن القول: إن آيات القرآن الكريم كلها آيات أحكام، أحكام تربوية، وأحكام اجتماعية، وأحكام سياسية وتشريعية، وأحكام أخلاقية، وليس آيات الأحكام في الحقيقة مقتصرة على ما يستنبط منها الحكم التشريعي.