لذلك ففتح باب الاجتهاد على مصراعيه اليوم، بات لا يشكل خطورة على قيم الشرع، وإنما يساهم بإطلاق العقل من قيوده الموهومة باتجاه تحقيق الرؤية الإسلامية في العلوم الاجتماعية، واستشعار أهمية التخصصات في شعب المعرفة جميعًا، وأن تحصيل هذه التخصصات التي تعتبر من الفروض الكفائية الغائبة هو دين واجتهاد فكري مثاب عليه صاحبه، وبذلك يعود الارتباط المفقود بين العلم والدين، وتنضبط المسيرة العلمية بضوابط الوحي وأهدافه، ويقبل المسلم على اكتساب المعارف، والاجتهاد في توليد الرؤى الشرعية بدافع الثواب ووازع العقيدة والدين، ويصبح خطابه في مجال اختصاصه مقنعًا ومسموعًا.
في ضوء هذه الرؤية لقضية الاجتهاد، ومجالاته، وأبعاده، وأهدافه التي تقتضي إعادة النظر في الشروط الاجتهادية والأدوات المطلوبة، التي قدمها العلم للمجتهد، يمكن إعادة النظر أيضًا في مناهج وشروط بناء الملكة الفقهية، أو ملكة الاجتهاد، حيث لا بد أن يسبق الفكرُ الفعلَ، والنيةُ العملَ. فما هي المجالات التي سوف نرتادها ونجتهد فيها، وما هي الأهداف التي نريد تحقيقها، وما هي الكيفية التي نتوصل بها إلى تحقيق الأهداف، وما الشروط والمعارف المطلوب توفيرها للفقيه المفكر في كل اختصاص، إلى جانب الشروط العامة المطلوبة لشعب المعرفة جميعًا ؟؟
ذلك أنه من المؤلم والمحزن حقًا أن الدراسات الفقهية والشرعية بشكل عام تعاني، لأنها تخرج حفظة وحملة فقه في الأعم الغالب، ولا تخرج فقهاء.. تخرج نقلة يمارسون عملية الشحن والتفريغ والتلقين، ولا تخرج مفكرين ومجتهدين يربون العقل وينمون التفكير.. تخرج من لا يستطيعون تجاوز المثال الذي أتى به الأقدمون، إلى تنزيل القاعدة على واقع جديد، أو توليد حتى مثال معاصر غير القديم.