الصفحة 4 من 131

والشام. وكما بين لنا التاريخ، لم تكن هذه الانقسامات عناصر تهديد لوحدة الكيان العربي أو مبررا للتمايز والانفصال والتمزق بين أبنائه، أو وسيلة للاختراق من قبل الآخر؛ فالمسيحيون العرب لم يعلنوا -على سبيل المثال- مناصرة الصليبيِين في حملاتهم على البلاد العربية، ولم يتحالفوا معهم حتى في لحظات انكسار المسلمين.

ثم مُزج مفهوم الطائفة ذات المكون العددي مع مفاهيم أخرى ذات مضمون فكري أو فلسفي أو عرقي أو مذهبي أو ديني، فتحول إلى ما يشبه"المصدر الصناعي"في لغتنا ليفيد معنى الفاعلية الخاصة بالأقلية العددية، والمنفصلة عن فاعلية الأمة، وبذلك أصبح مفهوم الطائفة يستخدم بديلا لمفاهيم الملة والعرق والدين التي كانت سائدة قبل ذلك. واختلطت هذه المفاهيم جميعا في بيئة متأزمة فكريا وسياسيا، مأزومة ثقافيا فأنتجت مفهوم"الطائفية"كتعبير عن حالة أزمة تعيشها مجتمعات عربية وإسلامية تكاد تكون شاملة لمجموع المحيط العربي والإسلامي كله مثل لبنان والعراق واليمن وسوريا والسعودية ودول الخليج وإيران والباكستان وأفغانستان حيث تحول الجزء إلى كل، والبعض إلى كيان مستقل، وأصبحت الطائفية مذهبا وأيديولوجية وهوية حلت محل الهويات الأخرى والانتماءات الأعلى، بل وبدأت تتعالى عليها، وقد تبدي الاستعداد للتقاطع معها، وأخذ موقعها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت