وفي نهاية عام 2003م عندما شعر السيستاني أن مطالبه بخصوص الانتخابات لن تنفذ حرك الشارع الشيعي للقيام بمظاهرات حاشدة «كانت تظاهرتا البصرة وبغداد والتظاهرات المنتظرة لاحقًا لتظهر أن السيستاني لا يمزح، وأنه يمثل حالة مرجعية عامة لا اختلاف عليها» . ولكن عندما دكت القوات الأمريكية المراقد التي يقدسها الشيعة في النجف لم يحرك السيستاني ساكنًا، ولم يصدر فتوى، ولم يحرك الشارع السياسي؛ فهل كانت الانتخابات أكثر قداسة عنده من مراقد النجف؟
? تقاطع المصالح بين شيعة العراق وإيران:
يصعب على المراقب المباشر لهذه الفسيفساء الشيعية في العراق أن يعثر على خطوط منطقية لتفسير هذا الأداء المعقد، ولكن عند إضافة البعد الإيراني للمشهد العراقي تتكون على الفور ملامح قابلة للفهم؛ فالعراق بالنسبة لإيران يمثل امتدادًا سياسيًا وجغرافيا ومذهبيًا، ولا يعترف الملالي في طهران بإمكانية وجود دولة عراقية مستقلة بجوارهم، ولذلك تنبني استراتيجيتهم بعيدة الأمد على كون العراق ـ الجنوب على الأقل ـ مقاطعة إيرانية شيعية طال الزمن أم قصر، ويتعاملون مع شيعة العراق باعتبارهم ميدانًا للسيطرة وممارسة النفوذ ومدخلًا للاستحواذ على الجنوب. وفكرة الهلال الشيعي التي اتهم قادة ومسؤولون عرب إيران بالتخطيط لها لا تنطوي على أي مبالغة؛ فهذا هو التصور الإيراني للمنطقة بغض النظر عن تواضع إمكانياتهم الحالية عن السعي لتحقيقه.