فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 15

وأخطر من ذلك حينما يفرح المرء بما لم يفعل من باب الرياء والتكثر يقول الله تعالى: { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [آل عمران: 188] .

ومن صور الفرح المذموم: فرح المرء بتقصيره في طاعة الله، أو تخلفه عن ركب الصلاح، والاستقامة، وقعوده عن دعوة الداعي وأمر الآمر ونهي الناهي، كما قال تعالى عن المنافقين: { فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } [التوبة: 82] .

ومن صور الفرح المذموم: الفرح بالمعصية عندما يغويه الشيطان على ارتكاب معصية من المعاصي من بذخ وإسراف، أو إحداث غناء وطرب محرم، أو ما إلى ذلك مما حرمه الله تعالى، يأنس بها ويبذل في الحصول عليها الكثير من ماله ووقته مما يدل على شدة الرغبة فيها والجهل بقدر من عصاه، والجهل بسوء عاقبتها وعظم خطرها.

ومما لا شك فيه أن هذا لم يصدر إلا عند ضعف الإيمان واستحواذ الشيطان؛ إذ إن المؤمن لا تتم له لذة بمعصية أبدًا ولا يكمل بها فرحه، بل لا يباشرها إلا والحزن مخالط قلبه، ولكن سكر الشهوة يحجبه عن الشعور به، ومتى خلا قلبه من هذا الحزن واشتدت غبطته وسروره فليتهم إيمانه وليبك على موت قلبه، فإنه لو كان حيًا لأحزنه ارتكابه للذنب، وغاظه وصعب عليه، ولا يحس القلب بذلك فحيث لم يحس به فما لجرح بميت إيلام) [1] .

(1) من كلام ابن القيم في مدارج السالكين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت