يقول الإمام ابن القيم: (والفرح لذة تقع في القلب بادراك المحبوب، ونيل المشتهى؛ فيتولد من إدراكه حالة تسمى الفرح والسرور، كما أن الحزن والغم من فقد المحبوب، فإذا فقده تولد من فقده حالة تسمى الحزن والغم، والفرح أعلى أنواع نعيم القلب ولذته وبهجته، والفرح والسرور نعيمه، والهم والحزن عذابه، والفرح بالشيء فوق الرضا به، فإن الرضا طمأنينة وسكون وانشراح، والفرح لذة وبهجة وسرور فكل فَرِح راضٍ وليس كل راضٍ فرحًا، ولهذا كان الفرح ضد الحزن، والرضا ضد السخط) [1] .
والفرح صفة من صفات الله جل وعلا تليق بجلاله سبحانه وهي في منتهى الكمال { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [الشورى: 11] ، ولهذا يوصف الله تعالى بأعلى أنواعه وأكملها كفرحه بتوبة التائب أعظم من فرحة الواجد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة بعد فقده لها واليأس من حصولها.
عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاةٍ فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتى شجرة فاضجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح» رواه مسلم.
والله عز وجل بقسطه وعدله جعل دوام الفرح والسرور في الرضا واليقين وفعل الطاعات والقربات، وجعل الغم والحزن في السخط والشك وارتكاب المنكرات والمخالفات، وإن كان في بداية فعلها يجد اللذة والفرح فإنه يعقبها ندم وحسرات.
يقول إبراهيم بن أدهم: (لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من ذليل العيش لجالدونا عليه بالسيوف) .
(1) مدارج السالكين (3/118) .