ومن ثم فقد جرى التشريع الإسلامي - مثلًا- على أن لا يفرض لكل جريمة من جرائم التعازير عقوبة معينة، كما تفعل القوانين الوضعية، لأن تقييد القاضي بعقوبة معينة يمنع العقوبة من أداء وظيفتها وتحقيق المقصد الذي من أجله شرع التعزير، بل يجعل العقوبة غير عادلة في غالب الأحيان؛ لأن أحوال وملابسات الجرائم ومرتكبيها تختلف اختلافًا واضحًا عائدًا إلى اختلاف الشخص والزمان والمكان، وما يفلح في تقويم مجرم قد لا يفلح في آخر، وما يردع مجرمًا قد لا يردع غيره. ومن أجل هذا وضعت لجرائم التعزير عقوبات متعددة مختلفة هي مجموعة كاملة من العقوبات تتسلسل من أقلِّ العقوبات إلى أشدِّها، وتُرِك للقاضي أن يختار من بينها العقوبة التي يراها كفيلة بتأديب الجاني وإصلاحه وحماية الجماعة من الإجرام. وللقاضي أن يعاقب بعقوبة واحدة أو أكثر، وله أن يخفف العقوبة أو يشددها إن كانت العقوبة ذات حدَّيْن بما يراه مناسبًا لإصلاح المجرم، وله أن يوقف تنفيذ العقوبة إن رأى في ذلك ما يكفي لتأديب المجرم واستصلاحه وزجر غيره وحماية الجماعة من شرور المجرمين. ( [71] )
وهذا الأمر عائد إلى التحقيق في المناط الخاص بكل مجرم وجريمة.. وفي معنى قوله تعالى: (( إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الاْرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الاْرْضِ ذالِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى الاْخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) ) (المائدة:33) ، قال الإمام مالك رحمه الله: إنّ هذه العقوبات موكولة لنظر ولي الأمر، ليضع كلّ عقوبة على قدر جرم الجاني وكثرة مقامه في الفساد، فيقتله إن قتل، ويقطع يده إن سرق ( [72] ) .