ومع كل ما سبق فإن الشاطبي يعدّ أبرز من أعطى مضامين وأبعادًا أوسع لتحقيق المناط، فقد أولاه اهتمامًا كبيرًا بجعله أصلًا كليًا في تطبيق الأحكام الشرعية، لضبط صواب تنزيل الحكم على الوقائع وتسديده، ومما يؤكد مدى اهتمام الشاطبي بهذا الأصل الكلي في التطبيق أنه بحثه في باب الاجتهاد باعتباره القسم الأكبر المستمر، فقال: «الاجتهاد على ضربين: أحدهما لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع أصل التكليف، وذلك عند قيام الساعة، والثاني يمكن أن ينقطع قبل فناء الدنيا. فأما الأول فهو الاجتهاد المتعلق بتحقيق المناط» . ( [54] )
فهذا الاجتهاد الدائم «جعله الشاطبي منهجًا في تطبيق الأحكام الشرعية على الإطلاق بأي سبيل حصلت أو بأي دليل تأتّت، فالحكم الشرعي يحصل في الذهن كليًا، والمطلوب أن يطبق على أفراد الأفعال والصور وهي جزئية مشخّصة، وهي أيضًا متشابهة ومتداخلة» . ( [55] )
وهذا يتطلب تحقيقها في الوقائع المشخّصة ليتبين أَهِي داخلة في أفراد الحكم الكلي فتجري على سننه، أم لا فتُسْتَبعد، ومن ثم فقد عرف الشاطبي تحقيق المناط بقوله: «معناه أن يثبت الحكم بمُدْركه الشرعي، لكن يبقى النظر في تعيين محله» ( [56] ) .
والواضح من التعريف أن تحقيق المناط عند الشاطبي عام في كل تنزيل لأي حكم شرعي سواء كان دليله قرآنًا أو سنة أو اجتهادًا، وأن يثبت من مدركه الشرعي، ثم يأتي تنزيله علىالوقائع والصور الممارسة من قبل المكلف.
ويعتبرالشاطبي تحقيق المناط المقدمة النظرية لكل دليل شرعي، مقابل المقدمة النقلية الراجعة إلى نفس الحكم الشرعي، وَعَنَى بالنظرية ما سوى النقلية، سواء أَثَبتت بالضرورة أم بالفكر والتدبر. فالشارع حكم على أفعال المكلفين مطلقة ومقيدة، وذلك مقتضى إحدى المقدمتين وهي النقلية، ولا ينزل الحكم بها إلا على ما تحقق أنه مناط ذلك الحكم على الإطلاق أو على التقييد وهو مقتضى المقدمة الأولى (النظرية) .