غير أن أبا حامد الغزالي قد عمل على توسيع مدلول تحقيق المناط، ليكون ضربًا اجتهاديًا متجاوزًا القياس الأصولي، بعد أن قرر اتفاق الأمة على جوازه فقال: «أما الاجتهاد في تحقيق المناط فلا نعرف خلافًا بين الأمة في جوازه، ثم قال: «وقول العدل صدق معلوم بالظن وأمارته العدالة، والعدالة لا تعلم إلا بالظن، فلنعبر عن هذا بتحقيق مناط الحكم لأن المناط معلوم بنص أو إجماع لا حاجة إلى استنباطه، لكن تعززت معرفته باليقين، فاستدل عليه بأمارات ظنية وهذا لا خلاف فيه بين الأمة» ( [48] ) .
ويعتبر الغزالي هذا الضرب من الاجتهاد «ضرورة كل شريعة» لأن التنصيص على عدالة الأشخاص وقدر كفاية كل شخص محال، وأن هذا الاجتهاد متجاوز للاجتهاد القياسي؛ إذ إن الأخير مختلف فيه بين النظار، بينما الأول وقع الاتفاق عليه فضلًا عن كونه ضرورة شرعية.
ثم جاء ابن قدامة المقدسي ليقسم تحقيق المناط بحسب الاتفاق عليه والاختلاف فيه إلى قسمين:
القسم الأول: وهو المتفق عليه، وحدّه بقوله: «أن تكون القاعدة الكلية متفقًا عليها أو منصوصًا عليها ويجتهد في تحقيقها في الفرع» ( [49] ) . ثم ضرب لذلك أمثلة كوجوب المثلية في الفدي في الحج، ووجوب استقبال القبلة، فالمثلية والاستقبال كلاهما واجب معلوم بالنص، أما كون هذا مثل لذاك، وأن هذه جهة القبلة فسبيل معرفتها الاجتهاد وذلك بتحقيق المناط وهو \"المثلية\"أو \"استقبال القبلة\"في الواقع اعتمادًا على الأمارات الدالة على ذلك.