إن امتداد الاجتهاد إلى مجالات الحياة جميعها، بما فيها الأمن والخوف، يتطلب بناء الثقافة الفقهية الجماهيرية التي يجب أن تشيع في الأمة، والتي تشكل الشاشة اللاقطة للصور، بحيث تلتقط هذه الثقافة الإشكاليات والمعاناة الناجمة عنها وتتحرك للتفتيش عن حلول لها (( أَذَاعُواْ بِهِ ) )لتجدها عند أهل العلم والاختصاص والاستنباط: (( لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) ).
وهنا لا بد من التمييز بين معرفة الحكم الفقهي وبين استنباطه، فمعرفة الأحكام وحفظها قد لا تتطلب نفس المؤهلات التي يتطلبها الاجتهاد، الذي يعني استنباط الحكم الملائم للواقعة أو النازلة من النص، وهذا يتطلب فقه النص وفقه المحل معًا، بينما الفقه من بعض الوجوه هو معرفة الأحكام الشرعية بعد استنباطها.. وقد يكون هذا هو الفرق بين الفقه وبين أصول الفقه.
لذلك نقول: إن المطلوب للفقه التنزيلي مجتهدون تتوافر لهم الأهلية، وليس حفظة للفقه أو مدرسين له، ذلك أن بعض حفظة الفقه قد يكونوا عاجزين عن الاجتهاد بشكل عام والاجتهاد التنزيلي بشكل أخص.
وهذا الكتاب الذي نقدمه، وهو في أصله رسالة علمية تخصصية، يمكن أن يعتبر إحدى الخطوات التأصيلية الجادة والمهمة في عملية الإحياء والتجديد والتحريض الثقافي، التي أفردت لها السلسلة، على تاريخها الطويل، مساحات كبيرة، سواء في مجال الاجتهاد الفردي وتكوين الملكة الفقهية، أو في مجال الاجتهاد الجماعي والتشجيع على التشاور وتداول الرأي، والاجتهاد المقاصدي الذي يضبط العملية الاجتهادية بمقاصدها حتى لا يتحول الاجتهاد إلى آليات وقواعد مجردة بعيدة عن رؤية الأهداف؛ إضافة إلى الرحلة الثقافية للسلسلة، التي يمكن أن تصنف جميعها في مجال إحياء الاجتهاد الفكري.