الصفحة 23 من 37

ثم أفرده بالعبادة والاستعانة: فبعد أن قدم بين يدي ربه هذه الأعمال الصالحة تقدم منه سائلًا حاجته وهي أن يهديه وإخوانه المؤمنين صراطه المستقيم الذي هو الإسلام الصحيح الخالي من الزيادة والنقصان ، النفي من كل بدعة وخرافة ، هذا الصراط الذي هو أقرب الطرق للوصول إلى ما يحب الله ويرضى طبق ما أمر ، وبلغ رسول الله ، وإذا أمعن المسلم في آيات القرآن فإنه يرى جميع آيات الدعاء ، لا بد أن يسبقها توسل إلى الله تعالى إما بدعائه ، أو بذات الله ـ أو بأسمائه الحسنى ، أو صفاته العلى ، أو بالأعمال الصالحة التي يتقرب بها إلى ربه ، أو أن يتوسل إليه بدعاء إخوانه المؤمنين له بالدعاء لهم ، قال الله تعالى على لسان ذي النون عليه السلام:

{لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} .

فإن ذا النون لما ابتلعه الحوت لم يجد من التوسل إلى الله أقرب من توحيده تعالى وتنزيهه .

والهداية هاهنا: الإرشاد والتوفيق ، وقد تعدي الهداية بنفسها كما هنا {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} فتضمن معنى: ألهمنا ، أو وفقنا ، أو أرزقنا ، أو أعظنا .

{وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} ، أي بينا له الخير والشر وقد تعدي بإلى كقوله تعالى: {اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} .

{فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} وذلك بمعنى الإرشاد والدلالة ، كذلك قوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} ، وقد تُعدي باللام ، كقول أهل الجنة:

{الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} أي وفقنا لهذا وجعلنا له أهلًا .

وأما (الصراط المستقيم) فقال الإمام الطبري: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعًا على أن: (الصراط المستقيم) هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه ، وذلك في لغة جميع العرب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت