الصفحة 856 من 1760

ربي حقًّا فقال عمر يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أراوح لها فقال صلى الله عليه وسلم: «والذي بعثني بالحق ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون جوابًا» وإذا كان في هذا دليل على أن الموتى تسمع صوت الأحياء وتشعر بتقريعهم لهم على ما اقترفوا من السيئات فليس هناك من قول مأثور عن أنهم أجابوا المنادين أو أن في استطاعتهم معونة المستنجدين بهم أو الشفاعة لهم عند الله الأمر الذي يدل صراحة على ضلال كل من يقول بهذا أو يستسيغه خصوصًا في عصرنا هذا الذي يحتكم الناس فيه إلى العقل والدليل لا إلى التخريف والتدجيل.

بعد أن أخبر الله نبيه بما كان من إرساله نوحًا وهودًا وصالحًا لدعوة أقوامهم إلى مجرد توحيد الله ورفضهم ذلك لأن عقولهم الضيقة لم تستسغه أخذ يخبره بأن من الرسل من أرسل لدعوة قومه إلى الامتناع عن الفواحش التي تأباها النفوس الكريمة بطبيعتها فلم يجد من قومه أيضًا غير الرفض وعدم الاعتراف برسالته فقال {ولوطًا} أي وقد أرسنا لوطًا برسالة غير الرسالة التي أرسل بها من قبله {إذ قال لقومه} وهم جماعة كانت تسكن في مكان يسمى بعمق السديم بقرب البحر الميت الذي يسمى ببحر لوط في نواحي شرقي الأردن {أتأتون الفاحشة} أي ما بالكم ترتكبون فاحشة هي في منتهى القبح {ما سبقكم بها من أحد من العالمين} أي إنكم أنتم المبتدعون لها وعليكم يقع وزرها ووزر من يتبعكم فيها إلى يوم القيامة {إنكم} بهمزة واحدة مكسورة وقرئ «أئنكم» {لتأتون الرجال شهوة من دون النساء} وهذه الفاحشة هي مخالفة لمقتضى الفطرة التي فطر الله سائر المخلوقات عليها وهي أن الذكر يبتغي الأنثى لتبادل الشهوة وطلب النسل سواء في ذلك الإنسان والحيوان الأعجم أما أنتم فإنكم تستمتعون بالرجال لمجرد إشباع شهوتكم دون نظر إلى ما يتعلق بإطفاء شهوة النساء وما يترتب على ذلك من دوام النسل {بل أنتم قوم مسرفون} أي أن إدمانكم على هذه العادة جعلكم تسرفون فيها فلا تميلون إلى النساء وقد أشار الله إلى هذا الإسراف بما يترتب عليه من عدة أضرار بقوله في سورة العنكبوت {إنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر} فإتيان الرجال أمر قذر من شأنه أن يقطع سبيل النسل ويؤدي إلى انتهاك حرمة الفضيلة والآداب العامة وغير ذلك من المنكرات {وما كان جواب قومه} على هذا الإنكار والنصيحة {إلا أن قالوا أخرجوهم} أي لوط وآله لقوله تعالى في سورة النمل {أخرجوا آل لوط} ولقوله تعالى في سورة الذاريات فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت