الصفحة 826 من 1760

لقد جاء من ضمن الوصايا العشر التي سبقت في نهاية السورة السابقة قوله تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه} وقوله {وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه} ولما كانت هذه الأوامر من الله جل وعلا من شأنها أن تجعل للرسول صلى الله عليه وسلم كثير الحذر شديد الرغبة في التأكد من أن ما يوحى به إليه هو عين الكتاب الواجب الاتباع من غير زيادة ولا نقص افتتح الله هذه السورة بما يطمئن قلبه من هذه الناحية فقال {ألمص} وتنطق هكذا. ألف. لام. ميم. صاد. ولقد جرى الكثير من المفسرين على أن هذه الكلمة وأمثالها أسماء للسور المبتدئة بها وقلنا إن الذي يغلب على الظن أنها أسماء مقسوم بها مع حذف أداة القسم كقوله تعالى: {يس والقرآن} . {ق والقرآن} . {ن والقلم} . فهذه أسماء أردفت بمقسوم به بما يشعر بأنها مقسوم بها أيضًا فيكون المعنى أن الله تبارك وتعالى يقسم بالسر الذي أراده من {المص} بأن القرآن الذي أمر الناس باتباعه هو {كتاب أنزل إليك} من ربك {فلا يكن في صدرك حرج} أي ضيق {منه} إذ تقول ربما يكون هناك شيء لم ينقل إليك منه أو تقول ربما يكون شيء مما أوحي إليك ليس هو من كتاب الله أو تقول لعل جبريل قد نقله إليك بالمعنى دون اللفظ فكل ذلك غير وارد بل ثق تمامًا أنه هو بنصه ولفظه ومعناه كتاب الله الذي أنزل إليك {لتنذر به} الناس أجمعين من أهل الكتب السابقة وغيرهم إذ تبلغهم دين الله ودستوره السماوي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه {وذكرى للمؤمنين} أي ولتذكر به من آمن بالله من أهل الكتاب خاصة فلتكن دعوتك للجميع أن تقول {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} الذي هو خالقكم ومربيكم ومدبر أموركم {ولا تتبعوا من دونه أولياء} أي لا تتبعوا من دون هذا الكتاب أولياء تتخذونهم هداة تولونهم أموركم وتطيعونهم فيما يستدعونه لكم من زيادات وبدع لم ترد فيه ظنًّا منكم أن في تقليدهم خيرًا لكم إذ هم في نظركم أعلم منكم بدين الله فمهمة العالم منحصرة في تبليغ كتاب الله وبيانه لا الابتداع والزيادة فيه {قليلًا ما تذكرون} بتخفيف الذال وتشديد الكاف وقرئ بتشديد الذال وقرئ «يتذكرون» بالياء بدل التاء أي قليل من الناس من يفطن إلى ما يترتب على اتباع المبتدعين في دين الله من أضرار والآية نص في عدم جواز طاعة أحد من العلماء في اجتهاده في أمور العقائد والعبادات والحلال والحرام تدينًا فهذه أمور توقيفية جاء بها القرآن وليس لأحد أن يجتهد فيها بزيادة أو نقص فهذا هو الضلال المبين الذي أشار إليه تعالى بقوله: {وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتاهم ضعفين من العذاب وألعنهم لعنًا كبيرًا} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت