هذا فقد أرشدنا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى القاعدة في هذا بقوله «إن ماء الذكر أبيض وماء الأنثى أصفر فإذا اجتمعا وعلا ماء الرجل ماء الأنثى أذكر بإذن الله وإذا علا ماء الأنثى ماء الرجل أنث بإذن الله» فمتى استطاع العلماء إدراك معنى العلو تم لهم ما يريدون {قل} أيها الرسول {يا قوم} من سائر البشر {اعملوا على مكانتكم} وقرئ «مكاناتكم» المكانة المنزلة التي يتبوأها الإنسان في الحياة معنوية كانت أو اجتماعية أي أن لكم الخيار الكامل في العمل على الاحتفاظ بمكانتكم بحسبما ترونه نافعًا لكم وبما مكنا لكم في الأرض {إني عامل} على مكانتي التي أنا عليها لنيل العز {فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار} أي من منا الذي سيكون سعيدًا حقًّا في دنياه وأخراه فقد قضت سنة الله في الخلق {إنه لا يفلح الظالمون} الفلاح صلاح الحال والظالم من يضع الأشياء في غير محلها والمعنى أن سنة الله تقضي بأن الذين يضعون الأشياء في غير مواضعها ولا يسلكون من السبل أفضلها ولا يتبعون من الشرائع ما وضعه الله لا يصلح حالهم ولا يسعدون في دنياهم ولا آخرتهم.
لقد بين الله فيما مضى أن إهلاكه تعالى للظالمين لم يكن إلا عقابًا على أعمالهم وأن ما شرعه من ثواب أو عقاب على العمل لم يكن إلا لأجل مصلحة البشر رحمة بهم لا لفائدة تعود على الله من عبادتهم وأمر رسوله أن يعلنهم بما منحوا من حق الخيار فيما يعملون بحسب ما تمليه عليهم محض إرادتهم ومكانتهم أردف ذلك بتعداد سيئاتهم التي تستحق العقاب إنذارًا لهم ولمن يأتي بعدهم فقال {وجعلوا لله مما ذرأ} أي خلق {من الحرث والأنعام نصيبًا} أي أنهم خصصوا ورصدوا لوجه الله جانبًا مما أنعم الله به عليهم من الزرع والأنعام وهذا بلا شك طاعة إلا أنهم أفسدوها بأقوالهم ومعتقداتهم الباطلة إذ شطروها إلى شطرين {فقالوا} عن أحدها {هذا لله} أي هذا حظ الله الذي ينبته ويصلحه ويرعاه يجب أن نقري منه الضيوف ونتصدق منه على المساكين {بزعمهم} أي بحسب ما يزعمون من أنه من حظ الله وأمره عائد إليه مع أن الواقع هو أن الكل من خلق الله وهو منبت جميع الزرع وهو الذي يرزق ويرعى جميع الأنعام {وهذا لشركائنا} أي وهذا حظ شركائنا من الآلهة التي نعبدها والتي ببركتها ينبت الزرع ويصلح حال الأنعام فيجب أن يعطى لسدنتهم ولم يقف بهم الأمر عند هذا الحد بل إنه عندما يطلع الزرع وتكثر الأنعام يتحكمون في توزيعها {فما كان لشركائهم} أي فما قالوا عنه أنه من حظ شركائهم يعطونه لسدنتهم {فلا يصل إلى الله} شيء منه بمعنى لا ينفق منه درهم في