الصفحة 690 من 1760

بعد أن بين الله فساد كل من عقائد اليهود والنصارى في نهاية الجزء السادس أخذ يوضح هنا ما يكنه كل من الفريقين في نفسه حيال المؤمنين من عداوة ومودة وقرب منهم وبعد عنهم وشعور نحو الله وآياته فقال {لتجدن} أيها الرسول أو أيها السماع لهذا الحديث في كل عصر {أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود} من أهل الكتاب الذين يزعمون التمسك بدين موسى عليه السلام لما في طبائعهم من أنانية وحسد وما بدر منهم من محاربة الرسل وتقتيلهم وقسوة قلوبهم {والذين أشركوا} يرى المفسرون أن المراد بهم من اتخذ مع الله شركاء وهذا ما لا يتفق مع منطوق الآية فقد قسم الله الناس بالنسبة للمؤمنين إلى ثلاثة أقسام: اليهود، والذين أشركوا، والنصارى. وقال عن النصارى إنهم يقولون إن الله ثالث ثلاثة فلا فارق بينهم إذًا وبين المشركين. والذي يلوح لي أن المراد بالشرك ما يقابل الإيمان والمشركون هم من لا يدينون بدين من الأديان السماوية كعباد الشمس والبقر ومن على شاكلتهم وهؤلاء يأتون في عداوة المؤمنين في الدرجة الثانية لأنه لم يسبق لهم من الحقد على الأديان وقتل الأنبياء ما سبق لليهود {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} أي الذين ادعوا التمسك بالنصرانية ولو لم يكونوا على دين المسيح تمامًا. والسبب في {ذلك} التقارب وهذا الود يرجع إلى عاملين اثنين الأول هو {بأن منهم قسيسين} يتعهدونهم دائمًا بالتربية الروحية وإلقاء الدروس الدينية عليهم {ورهبانا} تذكر أقوالهم وأعمالهم بالله إذ يمثلون الزهد وترك نعيم الدنيا والخوف من الله والانقطاع لعبادته. من ذلك ما نشرته الصحف من أن البابا استدعى القساوسة في أبريل وقال لهم «إن موجة الإلحاد قد انتشرت فعليكم واجب أن تنصحوا الناس برجوعهم إلى خالقهم» وهذا ما يحمل أتباعهم على مودة من كان على شاكلتهم في معرفة الله والخوف منه وإخلاص العبادة له. والعامل الثاني هو قوله {وأنهم لا يستكبرون} أي أنهم مفطورون على الإذعان للحق متى ثبت لديهم بالدليل العقلي، وقد أخذوا من آداب دينهم التواضع وطاعة الحكام والتسامح مع الآخرين وإدارة الخد الأيسر لمن ضرب الخد الأيمن. فتداول هذه الوصايا عن طريق أولئك القسيسين والرهبان لا بد وأن يكون له أثره في نفوس عامة الشعب فيضعف فيهم الاستكبار عن قبول الحق. وهذا ما أثبتته الأيام من صفات كل من الفريقين الغالبة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فقد عادى اليهود والمشركون الدعوة الإسلامية من أول عهدها وحاربوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت