الصفحة 579 من 1760

بأن الله قد استبد بالمشيئة أيضًا باستعماله صيغة المشيئة فإنني لم أخف مشيئة الله ولم أستنكر على الله العظمة وليس في قولي إن الله قد منح عباده الحق في أن يشاؤوا لأنفسهم ما يريدون ما يقتضي الحد من مشيئته تعالى الكلية أو ينقص من عظمته وكبريائه كما أن هدايته للناس لا تضمن قيامهم بالعمل بما يستوجب الثواب لقوله تعالى {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون} فالله سبحانه يهدي من يشاء الهداية بمعنى ينير لهم طريق الخير والصلاح فإن ساروا فيه بلغوا الغاية ونالوا الثواب وإلا نكثوا على أعقابهم واستحقوا العذاب. وأعتقد أن القائلين بضرورة إعادة الضمير في الآية إلى الله إنما يحاولون من غير قصد أن يلغوا جميع ما أنزله الله في القرآن من أحكام ويصوروا للناس الله بصورة الحاكم الذي يصدر دستورًا يعطي للناس فيه شيئًا من الحقوق التي تؤمنهم على أنفسهم وأموالهم ثم هو يذيل ذلك الدستور بأنه سوف لا يتقيد بمواده وأن له متى شاء أن يعتبر حسناتهم سيئات وسيئاتهم حسنات فيكون الدستور والحالة هذه حبرًا على ورق لا قيمة له. وهذا في نظري هو السر فيما نراه من عدم حرص المسلمين اليوم على اتباع أحكام الله واجتناب محرماته وإمعانهم في السيئات واتجاههم إلى تلمس الوسطاء له والشفعاء لديه وهم يعلمون أن الله سبحانه نفى الشفاعة من دستوره إذ قال {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} وأنكرها حتى على الأنبياء من رسله وأعادها إلى ذاته العلية إذ قال {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون} وأنه تعالى لم يعلق رحمته الواسعة على مجرد مشيئته لئلا يتوهم الناس أنها تنال بمجرد الوساطة والشفاعة ولذلك عدد من سيكتبها لهم ليبين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت