والمطيع وينال كل جزاءه يوم القيامة {وكان الله على ذلك قديرًا} فمن المشاهد الملموس فعلًا أنه تعالى هو الذي يميت الناس ويفنيهم بأسبابهم متنوعة كالمرض وما أشبه ولم يكن يعجزه أن يجعل العصيان من ضمن تلك الأسباب ولكنه لم يفعل بل إنه تعالى حث على العمل وجعله وسيلة لنيل السعادة في الدنيا والآخرة ليلقي على عاتق الناس مسئولية ما يفعلون وينزه ذاته العلية عن محاباة أحد وظلم آخرين ولذا قال: {من كان يريد ثواب الدنيا} {فعند الله ثواب الدنيا والآخرة} أي فليطلبها من الله يعطها له لأن كل ما في الدنيا من السماء والأرض وما فيهما مسخر بأمر الله وما على الراغب في الحصول على شيء منها غير اتباع السنن الموصلة إليها لينالها من فضله وكذلك الحال في نيل ثواب الآخرة {وكان الله سميعًا} لأقوال العباد {بصيرًا} بأعمالهم في جميع حالاتهم ومن أجل ذلك أوجب عليهم مراقبته وتقواه.
بعد أن أثبت الله لعباده أنه في غنى عن عباده ولا مصلحة له من وراء أعمالهم أخذ يبين لهم مقاصد ما يدعوهم إليه من الأعمال في هذه الحياة وهي شاهدة على أنها لا تعود على الله بأي نفع وإنما يراد بها السمو بالنوع البشري إلى الكمال الخلقي ليعيش الناس في سلام دائم وسعادة كاملة فقال {يا أيها الذين آمنوا} أني أنا الله المالك لجميع من في السموات ومن في الأرض صالحهم وطالحهم إذا أردتم أن تعلموا مني ما ينفعكم ويصلح كافة شئونكم العامة في الحياة الدنيا فإني أرشدكم إلى شيء واحد فقط إذا عملتم به وحرصتم على عدم تجاوزه في السر والعلن نلتم الثقة بين الناس واستطعتم أن تكسبوا ود الجميع وتعيشوا معهم في أمن وسلام دائم ذلك هو {كونوا قوامين} جمع قوام وهو المبالغ في القيام بالشيء والقيام بالشيء هو الإتيان به على أكمل وجه أي تحروا