وبمن معك {ولو كنت فظا} أي سيء الخلق في مقابلتك لهم {غليظ} أي قاسي {القلب} في تلك اللحظة {لانفضوا} أي تفرقوا {من حولك} فقد كانوا في حالة انفعال نفساني وحسرة لا تحتمل العتب والتقريع {فاعف عنهم} سامحهم في نفسك ولا تحمل لهم بغضًا {واستغفر لهم} كما هو شأنك دائمًا مع قومك، إذ تقول: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون» {وشاورهم في الأمر} استمر على مشاورتك لهم في كافة شئون الأمة في الحرب والسلم، ولا تتخذ من سوء تصرفهم سبيلًا إلى عدم الاعتداد برأيهم فزلة الإنسان لا تكون دليلًا على فساد رأيه وحسن مشورته {فإذا عزمت} على أمر ما بعد المشاورة سواء كان هذا الأمر موافقًا لما أشاروا به عليك أم لا {فتوكل على الله} أمض في تنفيذه اعتمادًا على من شرح صدرك له ولا تتردد في الأمور فأولوا العزم لا يترددون، وكن واثقًا من معونته وتأييده لك، ولا تتكل على حولك وقوتك فما عند الله أعظم {إن الله يحب} من عباده {المتوكلين} على حوله وقوته في حال أخذهم باتباع سننه فلا تنسهم مزاولة الأسباب عن ذكر مسببها وصاحب السلطان المطلق وهو الله فلا يعتمدون على قوتهم بقدر اعتمادهم على مانح النصر لمن يشاء وهو سبحانه لا يتخلى عن نصرة من اعتمد عليه {إن ينصركم الله} الذي تتكلون عليه {فلا غالب لكم} إذ لا قوة في العالم تستطيع أن تقف أمام قوة الله فهو جل وعلا المهيمن على جميع القوى {وإن يخذلكم} بترك مناصرته لكم بسبب عدم توكلكم عليه بل أحالكم على ما اتكلتم عليه من قوتكم أو مناصرة غيره لكم {فمن ذا الذي ينصركم من بعده} ولا يمنحكم أحد النصر سواه، وما النصر إلا من عند الله {وعلى الله} حتى في حال مزاولتهم للأسباب المشروعة {فليتوكل المؤمنون} ولا يظنوا أن مزاولتهم للأسباب لابد وأن توصلهم إلى النتائج، بل عليهم أن يعملوا بما أمرهم به الله من السعي للرزق والاستعداد للحرب والاحتياط في كل شيء وملازمة العبادات مع اعتمادهم في بلوغ الغاية على الله وحده. وقد أوضح الرسول صلى الله عليه وسلم حقيقة التوكل بقوله: «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا» ومعنى هذا أن يكون توكلكم كتوكل الطير مصحوبًا بالسعي فإنها تخرج من أماكنها جائعة تسعى لطلب رزقها معتمدة على ربها في إلهامها إلى مواضع رزقها وهي واثقة من أنها ستناله لا محالة، فمنها من تحصل عليه على مسافة ميل، ومنها على مسافة عشرة أميال، والكل ترجع ممتلئة شبعانة.