آمالهم، وقد عقب الله تعالى على هذه الآية بقوله: «ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين» أي أن الله تعالى لم يخلقهم إلا للاتصال به عن طريق معرفته وتوحيده، وطاعة أمره واجتناب نواهيه، والاعتراف بالحاجة إليه، وأنه لم يقصد جل وعلا بخلقهم أن ينكبوا على طلب الرزق فحسب، ولا أن يتجردوا من العمل للدنيا ويكونوا فيها طهاة يقدمون له ما فرض من العبادات والشعائر المفروضة التي لا تفيده؟ كلا فإنه تعالى هو الرزاق الذي تكفل بأساس الرزق للعباد ويسر لهم وسائله، وأمرهم بها في قوله تعالى «هو الذي جعل لكم الأرض ذلولًا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور» .
ومما يؤيد أن المراد بالعبادة إنما هو الدعاء بمعناه المتقدم، وأنه الركن الأساسي في جميع الديانات ما يأتي:
1 -أن جميع الأعمال التعبدية قائمة على أساس اللجوء إلى الله بصالح الأقوال والأعمال.
2 -أن شكل العبادة عند غير المسلمين ليس كشكلها عند المسلمين، وإنما الذي يجمعها في سائر الديانات إنما هو الدعاء والتوجه إلى الله ولذا قال صلى الله عليه وسلم «الدعاء مخ العبادة» وفي رواية «الدعاء هو العبادة» .
3 -أن الله قد فسر الدعاء بالعبادة، وهدد المستكبرين عنه بنار جهنم حيث يقول: «ادعوا ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفًا وطمعًا إن رحمة الله قريب من المحسنين» «وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين» .
4 -إن الله قد أخبرنا أن الدعاء هو السر في بقائنا، ولولاه لسلبت منا الحياة حيث يقول «قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم» .
5 -أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حض على الدعاء وبين مزاياه ودعانا إلى الثقة التامة بإجابة الله له حيث يقول «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة» .