الألوهية واستحق أن يعبده الخلق أجمعون (إلا الله) الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤًا أحد (وإن الله) الذي طلبت إليكم أن نحتكم إليه (لهو العزيز) الذي لا يساويه أحد في عزته حتى يكون شريكًا له في ألوهيته (الحكيم) في إدارة شؤون خلقه فلا يعزب عن علمه شيء من أمرهم (فإن تولوا) وأصروا على تشككهم في أمر عيسى ولم يجيبوا الدعوة إلى المباهلة، فهذا دليل على أنهم اقتنعوا بصحة ما أنزل عليك، غير أن العناد والمكابرة قد أبيا عليهم الإذعان لكلمة الحق، فاقطع كلامك معهم وفوض الأمر لله (فإن الله عليم بالمفسدين) مطلع على ما يضمرون من الأغراض الفاسدة، قادر على مجازاتهم جل وعلا.
بعد أن لقن الله نبيه الحجة التي يدحض بها شبه وفد نجران في شأن عيسى عليه السلام وأمره أن يتجنب الجدل معهم بل يدعوهم إلى المباهلة في حالة ما إذا أصروا على عدم الإذعان للحق، عاد فأمره أن ينهج في دعوة المعاندين نهجًا آخر يشهد كل ذي عقل سليم وطبع مستقيم أنه مبني على الإنصاف والمنطق المعقول حيث قال (قل) أيها الرسول للمكابرين المعاندين من النصارى واليهود (يا أهل الكتاب) التوراة والإنجيل، لندع البحث في أمر عيسى ونرجع إلى أساس الدعوة الإسلامية و (تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) فنحن جميعًا متفقون على أنه لا بد لهذا العالم من صانع هو الله، وأنه هو المتصرف فيه، وهو الذي يرسل لنا رسله للدلالة على ما يرضيه وما لا يرضيه، فهلموا بنا نستخلص من هذا الأساس ثلاث نقاط نتفق عليها: الأولى (أن لا نعبد إلا الله) وهذا يقتضينا أن نفهم أولًا معنى العبادة التي يجب أن نجمع عليها مع أهل الكتاب فإن كثيرًا من الناس يفسرونها بالأمور التعبدية ولذلك يجيزون دعاء غير الله والنذر له ونتج عن هذا أن قال لي بعض المثقفين أن «الله أناني» فإنه يقول «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون» بمختلف العبادات بمعنى أنه تعالى يلتذ بخضوعهم بين يديه فتأثرت من ذلك ووجب بسط حقيقة العبادة وهي في اللغة مشتقة من العبودية بمعنى الاسترقاق. ومقتضاها عند العرب أن يسخر العبد كل جهوده وقواه في خدمة مولاه والخلق كلهم عبيد الله فهو بلا شك سيدهم وقد خلقهم لعمار الكون بما يرضيه من صالح الأعمال التي فيها نفعهم حيث قال «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون» . أي ليعملوا في الحياة من أجلي فدل هذا على أن جميع أعمال العباد في الحياة عبادة متى كانت قائمة على أساس الإيمان وفي سبيل مرضاته، ومن أجل هذا كان خلوص العمل شرطًا