الحياة الدنيا وفيما يتعلق بشؤونها من ناحية العلم بطرق عمران الكون واختراع وسائل الراحة وأسباب القوة والسيطرة وما إلى ذلك (ثم إلي مرجعك) يوم القيامة (فأحكم بينكم) إذ ذاك (فيما كنتم فيه تختلفون) من الناحية الدينية (فأما الذين كفروا) بالله وأشركوا معه غيره من المسيح أو سواه من الأوثان (فأعذبهم) منذ الآن (عذابًا شديدًا) بأن أذيقهم أنواع التعب والنصب وأجعلهم في ألم مستمر (في الدنيا) دون أن يكون لهم ثواب على ذلك (و) أصليهم عذاب النار في (الآخرة) عقابًا على ذلك الكفر بالله والإشراك به (وما لهم) إذ ذاك (من ناصرين) حيث لا ينفع مال ولا بنون، ولا يشفع أحد عنده تعالى إلا بإذنه (وأما الذين آمنوا) بالله ثم لم يرتابوا ولم يشركوا معه غيره (وعملوا) إلى جانب الإيمان الأعمال (الصالحات) بأن أخلصوها لوجه الله وحفظوا أعضاءهم مما يغضبه وصرفوا جهودهم فيما يرضيه (فيوفيهم) الله وقرئ «نوفيهم» (أجورهم) عن كل حركة أو سكون حتى ما يجدون فيه لذتهم. قال صلى الله عليه وسلم: «وفي بضع أحدكم أجر، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر؟ قالوا نعم، قال فكذلك إذا وضعها في الحلال يكون له أجر» (والله لا يحب الظالمين) فلا يتصور منه ظلم الغير وهضم حقوق من أدى ما عليه ابتغاء مرضاة الله (ذلك) ما تقدم من خبر عيسى (نتلوه عليك) أيها الرسول (من) ضمن (الآيات) الدالة على ثبوت رسالتك لأنها أخبار لا يعلمها إلا قارىء من كتاب وأنت لا تكتب ولا تقرأ «وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون» فلم يبق من شك إذن أن ما جئت به ما هو إلا عن طريق الوحي قطعًا (والذكر الحكيم) وهو القرآن المعجز الذي تتلوه.
بعد أن أخبر الله نبيه بأمر خلق عيسى وما اتصف به من الصفات وما ظهر على يده من المعجزات وما كان منه مع قومه، لقنه حجة يرد بها على جماعة من نجران وفدوا إليه وقالوا يا محمد ما دمت تقول أن عيسى لا أب له من البشر وجب أن يكون أبوه هو الله قال (إن مثل عيسى) في خلقه وتكوينه (عند الله) وبالنسبة إليه سبحانه وتعالى (كمثل) خلق وتكوين (آدم) فكل منهما خلق من غير أب فآدم (خلقه) الله وكون جسمه (من تراب) على غير السنن المعروفة في إيجاد الحيوانات (ثم قال له) كلمة التكوين وهي (كن فيكون) وهي عبارة عن تعلق الإرادة بالشيء ووجوده بها حالًا، وفي هذا رد على مزاعمكم لأنه لم يقل أحد بأن آدم ابن الله إذ لا يلزم من كونه من غير أب أن يكون