الصفحة 297 من 1760

والعمل بها (من الكتاب) الذي هو التوراة كيف إنهم (يدعون إلى كتاب الله) أي إلى العمل بما جاء فيه (ليحكم) وقرئ (ليُحكم) بالبناء للمجهول (بينهم) أي لتطبق فيهم أحكامه ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مدارس اليهود ودعاهم إلى الإيمان. فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد قال على ملة إبراهيم، فقالا له: إن إبراهيم كان يهوديًا، فقال عليه الصلاة والسلام لهما: إن بيننا وبينكم التوراة فهلموا إليها فأبيا، ولهم مواقف غير هذه كثيرة يعرضون فيها عن العمل بالكتاب الذي يؤمنون به إذا لم يوافق أهواءهم (ثم يتولى فريق منهم) ويرفض الاحتكام إلى كتاب الله التوراة (وهم معرضون) بقلوبهم لأن ديدنهم الإعراض عن الحق والإصرار على الباطل (ذلك) أي توليهم وإعراضهم عن الاحتكام لكتاب الله (بأنهم) بسبب أنهم (قالوا) عن جهل وغرور (لن تمسنا النار) لاتصال نسبنا بالأنبياء (إلا أيامًا معدودات) هي مدة عبادة آبائنا للعجل فقط، وأما ما نقترفه من الذنوب بعد ذلك فلا نعذب عليها، فلا داعي لأن نكلف أنفسنا بالرضوخ لأحكام شريعتك أيها الرسول (وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون) أي وخدعهم في دينهم قول الزور من تأليفهم حتى تخيلوه حقًا يعتمدون عليه في حمايتهم من العذاب، وما هم بمنجاة منه ويشبه هذا قولهم إن آباءنا الأنبياء سيشفعون لنا، وأن الله وعد يعقوب عليه السلام أن لا يعذب أولاده إلا تحلة القسم وإن ارتكبوا ما ارتكبوا من القبائح (فكيف) يكون حالهم وهم على هذا العناد والغرور (إذا جمعناهم ليوم) الجزاء الذي (لا ريب فيه) ولا بد من مجيئه وظهور كذبهم فيما قالوا (ووفيت كل نفس ما كسبت) وعوقب كل امرىء بما فعل لا كما كانوا يتصورون من أن العذاب إنما يكون للأمة بمجموعها على ما اقترفه آباؤهم (وهم) في ذلك اليوم (لا يظلمون) لأنهم سيلاقون ما أنذروا به حاضر أو يطبق فيهم جزاء كفرهم وعنادهم وكل صغيرة أو كبيرة صدرت منهم.

بعد أن أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشعر الكافرين بعذاب أليم في الدنيا والآخرة وما لهم ناصرين وأشار إلى أن عدم هدايته لهم إنما هو ناشيء عن إعراضهم عن طلب الهداية أراد أن يزيل من قلوب أتباعه ما يداخلهم من الدهشة والاستغراب إذا هم أبصروا الكافرين في عزة وسلطان وبحبوحة من العيش إذ ربما يقولون ما بال هؤلاء ينعمون بكل هذا مع أن الله قد توعدهم العذاب فأفهمه أن ذلك مرجعه إلى مشيئة الله وقد فصلنا معنى المشيئة في الجزء الأول ص 70 بأنها هي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت