الصفحة 233 من 1760

المؤمنين من ذلك بصورة خاصة فقال (يا أيها الذين آمنوا) إذا تصدقتم بصدقة على إنسان ما ثم آنستم منه نكرانًا أو جحودًا لها أو أصابكم منه شر فيما بعد وهو كثيرًا ما يكون فحذار أن تتأثروا من ذلك وتندموا على ما صنعتم فقد قال صلى الله عليه وسلم «ليس الإحسان لمن أحسن إليك إنما الإحسان لمن أساء إليك» (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) لما في ذلك من نسبة الفضل لكم على المتصدق عليه في حين أن الفضل في الواقع لله الذي من عليكم بالرزق الذي تصدقتم منه فصدور هذا منكم معناه كفران لأساس النعمة من شأنه أن يبطل الثواب، وثواب الصدقة لا يكتب لكم إلا إذا كانت خالصة لوجه الله، وندمكم عليها وامتنانكم بها والتنديد بالمتصدق عليه دليل قائم على أنكم إنما كنتم تطمعون في شكره وتقديره لكم دون مرضاة الله، ولما لم يحصلا أو أصابكم منه عكس ما أملتم ندمتم على عملكم وعمدتم إلى ما أقدمتم عليه من منٍّ وأذى ولهذا فإن الله لا يتقبل عملكم ويبطل حقكم في ثواب الصدقة ويكون شأنكم والحالة هذه (كالذي ينفق ماله رئاء الناس) ليظهر نفسه بمظهر المحسن العامل من أجل مرضاة الله (و) الحال أنه في الواقع (لا يؤمن بالله واليوم الآخر) إذ لو كان يؤمن بهما لما أشرك معه غيره ولآثر ثوابه على السمعة الزائفة في هذه الحياة (فمثله) أي فإن مثل الذي ينفق ماله رئاء الناس (كمثل صفوان) وهو الحجر العريض الأملس (عليه تراب) يحسبه كل من ينظر إليه أنه صالح للزرع ويتمنى الاستفادة منه (فأصابه وابل) أي مطر شديد أخذ التراب من فوقه وكشف عن حقيقته (فتركه) أي ترك الوابل الصفوان (صلدًا) حيث رجع إلى أصله أملس لا تراب عليه فتنفر الناس منه لأنه لا أمل لهم في الاستفادة منه وهكذا يكشف المن والأذى عن حقيقة نوايا المتصدقين والمرائين وكل أولئك (لا يقدرون على) حفظ (شيء مما كسبوا) أي ما قدموا من الصدقات التي يجرفها المن والأذى كما يجرف الوابل التراب من فوق الصفوان دون أن تكون لديه القدرة على الاحتفاظ بشيء منه (والله) في نظامه ودستوره الكوني (لا يهدي) إلى هذه الحقائق (القوم الكافرين) بأنعم الله فلا يؤمنون بأن أساس المال الذي تصدقوا به إنما هو من محض كرم الله فما يكون لهم أن يمنوا به إذا تصدقوا بشيء منه على الفقراء من عباده. بمعنى يدعهم في ضلالهم يعمهون.

بعد أن شبه الله من يتبع صدقته بالمن والأذى بالمرائي الكافر الذي يشبه الصفوان الذي لا نفع فيه برغم ما على ظاهره من تراب، شبه الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله دون أن يتبعوا ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت