سورة الانشقاق: بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى في السور السابقة بعض أشراط الساعة أخذ يبين هنا ماذا سيكون من أمر الناس عندئذ فقال: {إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ} انفصلت عن بعضها: {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا} أي استمعت لأمره: {وَحُقَّتْ} أي وجدير بها أن تنقاد لأمره ولا تعصيه فهي التي عندما أمرها أن تأتي أتت طائعة: {وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ} بعد أن كانت كروية لتقف الخلائق جميعها على صعيدها في ذلك اليوم،: {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا} من الكنوز والمعادن التي كانت تحملها لصالح البشر: {وَتَخَلَّتْ} عنه وعادت إلى فطرتها الأولى من محض التراب: {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} أي استمعت لأمر ربها وانقادت إليه وهي جديرة بذلك وعندها يقال: {يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ} أي إنك كنت في حياتك الدنيا تجهد نفسك: {إِلَى رَبِّكَ} أي من أجل لقاء ربك بانتهاء الحياة: {كَدْحًا} أي تعمل أعمالًا شاقة مضنية: {فَمُلاقِيهِ} أي فأنت اليوم ملاق عملك ماثلًا بين يديك: {فَأَمَّا} هذا جواب قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ} وما بعدها: {مَنْ أُوتِيَ} أي أعطي: {كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} أي من الجانب الأيمن: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} بمعنى لا يقال له: لِمَ فعلت هذا، ولا يطالب بالعذر فيه ولا الحجة عليه، روي عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا، فقالت له: وما الحساب اليسير؟ فقال لها: ينظر في كتابه ويتجاوز عن سيئاته فأما من نوقش الحساب فقد هلك» .
{وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ} أهل الرجل من يجمعه وإياهم نسب أو دين: {مَسْرُورًا} فرحًا بخلاصه سالمًا من الحساب، ونجاته من العذاب: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ} أي من خلفه وهذا دليل على سخط الله عليه: {فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا} الثبور: الهلاك، أي أنه سيقول لقد هلكت لقد هلكت،: {وَيَصْلَى سَعِيرًا} أي يقاسي حر نار شديدة اللذع والإحراق وقرئ: {يُصلى} بضم الياء وقد استحق هذا العذاب لسببين اثنين؛ الأول: {إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا} بإعطاء نفسه هواها وعدم خوفه من مولاها، والسبب الثاني: {إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ} أي يرجع إلى ربه فيحاسب على ما اقترف في دنياه: {بَلَى} ليحورن وليرجعن إلى ربه وليحاسبن فيجزى على عمله خيرًا كان أو شرًا: {إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا} أي عالمًا علمًا كاملًا: {فَلا أُقْسِمُ} أي فلا حاجة بي إلى القسم لإثبات ما أقول لأنه ثابت لا يحتاج إلى تأييد: {بِالشَّفَقِ} وهو بقية ضوء الشمس وحمرتها في أول الليل: {وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} أي جمع من ظلام: {وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ} أي استوى كمل نوره ليلة تمامه: