احتقارًا له ولا إجلالًا للقوم ولكن مراعاة منه لتقاليد العرب ورغبته في زيادة نشر الإسلام فأنزل الله قوله: {عَبَسَ} بفتح الباء مخففة وقرئ بتشديدها: {وَتَوَلَّى} أعرض، وفاعل العبوس والتولي لم يذكر اسمه مع أن المقصود به الرسول إشارة إلى أن المقصود من ذلك مجرد التشريع: {أَن جَاءهُ} يسأله عن دينه: {الأَعْمَى} وقد وصفه الله بهذا الوصف إشارة إلى عذره في الإلحاح في السؤال فهو لا يعلم بالحاضرين ولا يقصد قطع حديث الرسول كما أنه لم يشعر بعبوس وجه الرسول حتى ينكدر وينزعج: {وَمَا يُدْرِيكَ} أيها النبي: {لَعَلَّهُ} أي الأعمى: {يَزَّكَّى} أي يتطهر بما تلقنه له: {أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى} أي فيتعظ بموعظتك بمعنى يزداد إيمانًا على إيمانه: {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى} بماله وجاهه عن طلب الهداية.
{فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى} أي تتعرض وتخص بالذكر: {وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى} أي لا شيء عليك في ألا يسلم من تدعوه للإسلام فما عليك إلا البلاغ بمعنى لا يبلغن بك الحرص على إسلامهم إلى أن تعرض عمن أسلم للاشتغال بدعوتهم: {وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى} في طلب المزيد من العلم وطلب الهداية: {وَهُوَ يَخْشَى} ربه ويرغب في زيادة العلم بما يقربه إلى الله: {فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى} أي تتشاغل بالتوجه إلى من لم يرد لنفسه الهداية: {كَلاَّ} أداة نفي وزجر عن التصدي للمستغني والإعراض عن المهتدي فهذا أمر لا يتفق مع الدعوة التي أرسل بها النبي صلى الله عليه وسلم فقد حدد الله مهمته بأنه لم يكن سوى مبلغ ومذكر بآيات الله المنزلة عليه وقد وصفها الله بقوله: {إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ} من الله لعباده ليعرفوه ويوحدوه: {فَمَن شَاءَ} لنفسه الهداية: {ذَكَرَهُ} أي ذكر الله وآمن به عن رغبته وكامل اختيار من غير إلحاح ولا إكراه وهذا الذكر الصادر من صميم القلب سيسجل له: {فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ} ليس فيها من يطعن في صحتها وشرفها: {مَّرْفُوعَةٍ} إلى مقام الله جل جلاله: {مُّطَهَّرَةٍ} خالية من كل ما يحط من قيمتها: {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ} جمع سفير الوسيط المصلح: {كِرَامٍ} هم الملائكة الذين عهد إليهم الله بتسجيل أعمال العباد حيث قال: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} ،: {بَرَرَةٍ} الصالحين الذين: {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} .
ولما كان الإنسان بطبيعته مفطورًا على كفران الجميل قال تعالى: {قُتِلَ الإِنسَانُ} هذا دعاء على الإنسان بالقتل لأنه بلغ مبلغًا لا يستحق معه الحياة لعدم تقديره لنعم الله الذي منحه الله هذه