الصفحة 1647 من 1760

جاءنا اليقين والمراد منه الموت الذي لا ينكره أحد: {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} أي أن هؤلاء الذين أصروا على ملازمة تلك الخلال حتى الموت لا تنفعهم شفاعة الشافعين ولو كانوا ممن يزعم الإيمان بالله لأن دستور الله في خلقه يقضي بأن سبيل النجاة إنما هو الإيمان والعمل الصالح أما غيرهم ممن أدى شيئًا من الواجبات ولم يصر على ارتكاب المحرمات فإن الله من عظيم فضله ووافر رحمته قد يشفع فيه رسوله أو من يرتضي من عباده: {فما لهم عن التذكرة} وهي كل ما يذكر الإنسان بربه ويعظه لما فيه نفعه ويراد بها القرآن الكريم: {معرضين} أي غير مصغين ولا مؤمنين وقد شبههم الله في إعراضهم بقوله: {كأنهم حمر مستنفرة} بكسر الفاء وفتحها أي نافرة: {فرت من قسورة} القسر الغلبة والقهر يقال ليوث قساور لما طبعوا عليه من الغلبة والقهر والمعنى أنهم في نفورهم من آيات الله كالحمر الوحشية عندما تهرب من رؤية الأسد أو الرماة الذين يتصيدونها فلا تلوي على شيء مما يصور مبلغ جهلهم وحماقتهم: {بل} هم أشد، فالحمر تهرب ممن يقتنصها ليقتلها وهؤلاء يرون القرآن أمامهم كتابًا يشتمل على مواعظ وحكم وليس هو بأداة للاغتيال حتى يخافوا منه: {يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفًا منشرة} أي أن الحمر تخاف وتفر إلى غير رجعة وهؤلاء يعودون فيطلب كل واحد منهم أمرًا غير معقول هو أن تنزل له كتابًا خاصًّا يرضى به: {كلا} إنه ليس بمقتنع أبدًا حتى ولو أجيب إلى ما يريد: {بل} إنهم: {لا يخافون الآخرة} أي لا يخافون عذاب الله في الآخرة لعدم تصديقهم بأمر البعث والحساب وما داموا كذلك فليس هناك ما يحملهم على الإصغاء لكلام الله والاهتداء بهديه: {كلا إنه} أي القرآن: {تذكرة} أي موعظة ودعوة إلى الله بأدلة عقلية ومحسوسة من غير إكراه: {فمن شاء} أي من عمل بهذه التذكرة: {ذكره} أي القرآن بمعنى فطن إلى مراميه وحفظه فلم يضيعه: {وما يذكرون} أي يفطنون ويحفظون وقرئ «تذكرون» بالياء والتاء مخففًا ومشددًا: {إلا أن يشاء الله} أي إلا أن يكون هذا الذكر متمشيًا مع نظام المشيئة الذي يقضي بأن من طلب الهداية هداه الله ومن أعرض عنها ولم يطلبها ظل قلبه مقفولًا في غفلة دائمة: {هو} أي الله: {أهل التقوى وأهل المغفرة} أي هو أهل أن يخاف منه وهو أهل أن يغفر ذنب من تاب إليه وأناب وقد روى أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه الآية قال «قال ربكم أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معي إله فمن اتقى أن يجعل معي إلهًا كان أهلًا أن اغفر له» اللهم اجعلنا من المتقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت