من انكماشك حول نفسك: {فأنذر} أي اصدع بما تؤمر به من إنذار قومك: {وربك فكبر} أي وعظم ربك عن أن يكون وثنًا من الأوثان التي يعبدها قومك فإنه تعالى يجل عن التشبيه والتكييف بمعنى لا تشغل قلبك بسواه: {وثيابك فطهر} أي فاحرص على طهارة ظاهرك وما تلبسه من سائر النجاسات لئلا يستقذرك الناس فلا يقبلوا عليك: {والرجز} بكسر الراء وقرئ بضمها هو الإثم والذنب: {فاهجر} أي اقطع أو اترك بمعنى دع كل ما يؤدي إليه فيقتدي بك اتباعك فيمتنع الفساد وتسمو الأخلاق: {ولا تمنن} منَّ عليه بكذا أنعم عليه به من غير تعب بمعنى لا تتصدق بصدقة ثم: {تستكثر} برفع الراء أي ترى في نفسك أنك أعطيت شيئًا كثيرًا ذلك لأن ما لديك من مال كله من نعم الله عليك فمهما أعطيت منه في سبيله تعالى فهو قليل إلى جانب ما أعطاك: {ولربك فاصبر} أي لازم الصبر على كل ما يصيبك من ضيق أو مكروه أو أذًى لوجه ربك فإن دستوره تعالى يقضي بأنه لا بد بأن يعقب العسر باليسر ولكل شيء حد ونهاية، والشدة بداية الفرج وقد أعد الله للصابرين عنده أجرًا عظيمًا: {فإذا نقر في الناقور} النقر صوت يسمع من قرع الإبهام على الوسطى والناقور: البوق ينفخ فيه إيذانًا بقيام الساعة: {فذلك يومئذ يوم عسير} من العسر وهو الشدة وهو يوم القيامة الذي لا يملك أحد من الناس فيه شيئًا يفتدي نفسه به من عذاب الله: {على الكافرين غير يسير} أي صعب ليس فيه شيء من السهولة إذ هم يعطون كتبهم بشمالهم ويحاسبون حسابًا دقيقًا بخلاف المؤمنين فإنهم يعطون كتبهم بأيمانهم ويحاسبون حسابًا يسيرًا ويتغمدهم الله برحمته ورضوانه كما وعدهم في كتبه وعلى لسان رسله.
وبعد أن أمر الله رسوله في صدر السورة بالقيام بواجب الدعوة وفصل له ما ينبغي أن يكون عليه حال الداعين لله أخذ يفهمه بأن مهمته تنحصر عند هذا الحد فلا ينبغي أن يتعداها إلى التشبث بهداية الناس إلى حد النقمة عليهم والرغبة في إهلاكهم إذا لم يستجيبوا لدعوته فالهداية من الأمور التي ترجع إلى رغبة الإنسان فيها وطلبه لها بوسائلها التي رسمها الله له وذلك وفقًا للحرية التي منحها سبحانه وتعالى له من بدء التكوين وما على الرسول إلا البلاغ ولذا قال: {ذرني} أي إلى هنا انتهت مهمتك فأحل إليّ أمر التصرف بما ينبغي اتخاذه حيال من كذبك: {ومن خلقت وحيدًا} أي الذي خلقته وحيدًا بنفس واحدة قائمة بذاتها تسيطر على جميع أجزاء الجسم ولا سلطان لأحد عليها غير الله خالقها الذي وهب لها الحياة وينتزعها متى أراد: {وجعلت له مالًا ممدودًا} أي رزقًا