تيأسون من حلم الله وحلمه قد تجلى لكم من عدم تعجيله بعذابكم وتحسبونه غير قادر على ذلك: {وقد خلقكم أطوارًا} أي على حالات شتى على فترات بالتدريج فقد خلقكم نطفًا ثم خلقكم علقًا ثم خلقكم مضغًا ثم خلقكم عظامًا ولحمًا ثم أنشأكم خلقًا آخر مع أنه كان في الإمكان أن يخلقكم من الأصل بحالة واحدة فدل هذا على أن نظامه في خلقه لا يقضي بالسرعة بل بالتأني والرزانة: {ألم تروا} يا قومي سنته تعالى في الخلق والتكوين: {كيف خلق الله سبع سماوات طباقًا} أي طبقة بعد طبقه وكان في إمكانه أن يخلقها طبقة واحدة كثيفة: {وجعل القمر فيهن نورًا} أي ضوءًا يبين الأشياء: {وجعل الشمس سراجًا} أي مصدر ضوء قوي وكان في إمكانه الاكتفاء بأحدهما دون حاجة إلى تعدد الخلق وهذا التطور في المخلوقات: {والله أنبتكم من الأرض نباتًا} أي جعل مصدر خلقكم الأول وهو آدم من الأرض ثم أنبتكم من النطفة في بطون أمهاتكم كإنبات النبات في الأرض بالتدريج: {ثم يعيدكم فيها} أي في الأرض: {ويخرجكم} منها: {إخراجًا} على حالتكم التي كنتم عليها بحالة واحدة: {والله جعل لكم الأرض بساطًا} أي مبسطة وممهدة: {لتسلكوا منها سبلًا فجاجًا} أي واسعة متباعدة وكل هذه من الأمور التي تدلكم على مبلغ عظمة الله وسننه في خلقه التي لا تتغير لتثقوا بأن ما ذكرته لكم من مزايا الاستغفار لا يختلف أبدًا عن نظام ما ذكر من المخلوقات ثم استمر نوح في شكوى قومه إلى الله: {قال نوح رب إنهم عصوني} فيما أمرتهم به وأنكروا ما دعوتهم إليه بالرغم من كل هذه الجهود وهذه الدعوة الصادقة لهم بمختلف الأساليب وأضافوا إلى ذلك معاصي أخرى تدل على منتهى حماقتهم أولها طاعة غير الله إذ قال: {واتبعوا} من الرؤساء: {من لم يزده ماله وولده} بفتح الواو واللام وقرئ بضم الواو وسكون اللام: {إلا خسارًا} أي كفرًا وعنادًا بدلًا من تقدير نعمة الله عليه بالمال والولد والثاني من المعاصي: {ومكروا مكرًا كبارًا} الكبار بتشديد الباء وتخفيفها الرفيع الشأن أي بمعنى اتخذوا في مجادلته أساليب ماكرة ملتوية ومغالطات ومناقضات إذ قالوا يا نوح ما أنت إلا بشر مثلنا وما أنزل الله من شيء وقالوا تارة أخرى ولو أراد ربك أن يرسل رسولًا لأنزل ملكًا وقالوا أخرى أنؤمن لك واتبعك الأرذلون وثالث المعاصي قوله: {وقالوا} أي قال بعضهم لبعض: {لا تذرن آلهتكم} التي وجدتم عليها آباءكم بمعنى استمروا في لجوئكم إليها في الملمات ودعائها لقضاء الحاجات: {ولا تذرن ودًّا} بفتح الواو وضمها أي لا تتركوا عبادته وطلب العون