الثانية فإنه كان لا يحب إلا نفسه: {ولا يحض على طعام المسكين} بمعنى أنه كان قاسي القلب إلى أقصى درجات القسوة إذ هو يضن على المساكين حتى بالوصية بمساعدتهم وهو بهذا جر على نفسه سخط الناس عليه: {فليس له اليوم هاهنا حميم} أي قريب أو صديق يهتم بأمره أو يرثي لحاله أو يشفع له بمعنى أنه لا يستحق الرحمة بتاتًا: {ولا طعام} مما يشبع الجائع من أنواع المأكولات: {إلا من غسلين} قيل هو اسم شجر في جهنم: {لا يأكله إلا الخاطئون} أي أنه لا يصلح ولا يفرح به غير الخاطئين في جهنم: {فلا أقسم} أي لست في حاجة لأن أقسم لكم على صحة ما أقول: {بما تبصرون وما لا تبصرون} أي بكل منظور وغير منظور وهذا يشمل الخالق والمخلوق والدنيا والآخرة والأجسام المادية والقوى الروحية: {أنه} أي القرآن: {لقول رسول كريم} أي أن القرآن لم يكن من تأليف محمد بن عبد الله بل هو كلام الله الذي تلاه عليكم بصفة كونه رسولًا من قِبَل الله وقد شهد الله بأنه كريم والكريم من جمع من كل شيء أحسنه فلا يعقل أن يفتري على الله الكذب أو ينسب إليه ما ليس من كلامه: {وما هو بقول شاعر} أي ليس القرآن في ذاته من خيالات الشعراء إذ هو يروي قصصًا حقيقية ثابتة ويقر مبادئ سامية وأخلاقًا عالية وأنتم بأفكاركم الجامدة وعقولكم الضيقة: {قليلًا ما تؤمنون} بمثل هذه الأدلة العقلية القائمة على أساس الفكر والقناعة الوجدانية: {ولا} هو القرآن: {بقول كاهن} يتنبأ بالغيب أو يستمد معلوماته من النجوم والكواكب أو من أقوال الشياطين فإنه لا يعترف لأحد بعلم الغيب وينفي أن يكون للنجوم والكواكب تأثير ويلعن الشياطين ويبرأ منهم وأنتم باعتقادكم بأقوال الكهنة: {قليلًا ما تذكرون} إن هناك فارقًا عظيمًا بينه وبينهم فهم إنما ينسبون لأنفسهم بعض التصرفات والقدرة على خرق العادات أما هذا فإنه ينفي عن نفسه كل شيء مما يأتي به إليكم وينسب ذلك إلى الواحد الديان فلم يبق من شك في أن القرآن هو بسوره وآياته وحروفه وكلماته: {تنزيل من رب العالمين} الذي نزل به جبريل بالنص من عند الله على رسوله الذي اجتباه: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل} أي لو زاد فيه أو نقص أو نسب إلينا ما لم نتكلم به: {لأخذنا منه باليمين} أي لشددناه من يمينه: {ثم لقطعنا منه الوتين} الوتين: عرق في القلب يجري منه الدم إلى سائر العروق بمعنى بالغنا في الانتقام منه حتى يقضي عليه: {فما منكم من أحد عنه حاجزين} بمعنى لا يستطيع أحد أن يحجزه عنا أو يخلصه من عقوبتنا: {وإنه} أي القرآن: {لتذكرة للمتقين} أي أنه ينبه الحذرين