تحت طائلة الدستور الإلهي الذي سيؤاخذهم بمقتضاه في الحياة الأخرى وأن عليه أن لا يغضب مما يراه من إعراضهم عن قبول الدعوة الإسلامية، أخذ يفصل أنواع العذاب التي أنزلها بمن قبلهم وحفظهم منها في هذه الحياة وما سينتظرهم من عذاب الآخرة فقال: {الحاقة} هي النازلة الثابتة كالحقة ولعل المراد منها الحياة الأخرى التي كل ما فيها حق لا مرية فيه والتي دعت الرسل والكتب السماوية جميعها إلى الإيمان بها: {ما الحاقة} أي شيء هي وهذا ما يدل على تفخيم شأنها وتعظيم مكانتها فهي الحياة السعيدة الدائمة: {وما أدراك ما الحاقة} أي ما أعلمك بكتبها ومدى عظمتها فأنت أدرى بها وقد أخبرت الناس عنها إذ القاعدة أن كل موضع قال فيه القرآن: {ما أدراك} فإن الله قد أخبر رسوله به وما قال فيه: {وما يدريك} فإنه لم يخبره به: {كذبت ثمود وعاد} من قبل: {بالقارعة} مؤنث القارع وهو من يدق الباب وينبه من خلفه والمراد بها القيامة التي تقرع الناس بالإفزاع والأهوال والسماء بالانشقاق والانفطار والجبال بالدك والنسف والنجوم بالطمس والانكدار: {فأما ثمود} فقد عجل لهم الله العذاب: {فأهلكوا بالطاغية} أي بالمصيبة العامة التي لم ينج منها أحد ولعلها صيحة الصاعقة التي جعلتهم في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها: {وأما عاد فأهلكوا} أيضًا في هذه الحياة: {بريح} هواء: {صرصر} شديد الصوت والهبوب والبرد: {عاتية} أي القوية الجبارة التي لا يقف شيء في طريقها: {سخرها} أي سلطها سبحانه: {عليهم} أي بأمر منه لا نتيجة لاتصالات فلكية نجومية اقتضت ذلك بدليل تحديده تعالى لوقتها: {سبع ليال وثمانية أيام حسومًا} أي متتابعة متوالية: {فترى القوم فيها} أي في خلال تلك المدة: {صرعى} أي مصروعين بمعنى ترى الناس إلا وهم يصرعون ويموتون الواحد تلو الآخر: {كأنهم أعجاز} أي أصول: {نخل} وفي قراءة «نخيل» شجر التمر: {خاوية} الخاوي خالي البطن بمعنى أنهم أصبحوا هياكل عظيمة بالية كجذوع النخل إذا بليت وخليت أجوافها: {فهل ترى لهم من باقية} أي هل بقي من نسلهم أحد: {وجاء فرعون ومن قبله} بفتح القاف وفي قراءة بكسرها وفتح الباء: {والمؤتفكات} المدن التي أبادها الله وقلبها على أهلها من قوم لوط: {بالخاطئة} أي بسبب الأفعال الخاطئة: {فعصوا} أي عصى كل فريق منهم: {رسول ربهم} الذي أرسل إليهم: {فأخذهم} ربهم: {أخذة رابية} أي زائدة بمعنى أخذهم بشدة ومن غير رحمة في هذه الدنيا وظلت آثارهم تدل عليهم: {إنا لما طغى الماء} بمعنى ارتفع وجاوز الحد