ملك جميع الكائنات المتصرف فيها كيف يشاء باعتباره الخالق لها المنظم لشؤونها كافة: {وهو على كل شيء قدير} فلا يصعب عليه إيجاد ما يريد إيجاده وإبادة ما يريد إبادته لا يسأل عن أي شيء خلقه لِمَ خلقه وما هي الحكمة في خلقه ومن حقه وحده أن يوضح حكمته تعالى من تصرفاته متى أراد وقد تفضَّل جلَّ وعلا فوجَّه الخطاب إلى عباده وأخبرهم بالحكمة التي من أجلها خلق الحياة الدنيا وما فيها من سائر الموجودات فقال: {الذي خلق الموت والحياة} هنا تحير المفسرون في المعنى المراد بخلق الموت والحياة والسبب في تقديم الموت وهو العدم على الحياة وهي الوجود وعندي أن المراد بهما الحياة الدنيا من أساسها فهي موت وحياة في وقت واحد، ذلك لأن الله عندما خلق آدم وحواء من طين أسكنهما جنة يحيون فيها حياة سعيدة يأكلان ويشربان ويلبسان من غير كد ولا عناء بحيث لا يحتاجان إلى التعرض حتى ولا لضحى الشمس، ونهاهما عن الأكل من شجرة خاصة عينها لهما ووصفها الشيطان لهما بأنها شجرة الخلد أو سبيل دوام النسل بالاتصال الجنسي فلما ذاقاها بتحريض إبليس ونسيا ما نهيا عنه زالت عنهما تلكم النعم، وأخرجا من الجنة وأمرا بالهبوط من تلك الحياة السعيدة إلى حياة أقل منها، كلها جهد وعناء مستمر هي هذه الحياة الدنيا الحقيرة الزائلة ولا شك أنه تعالى لم يفعل ذلك إلا عقابًا لهما على تلك الخطيئة فيكون الحرمان من النعيم السابق موتًا للإنسان بالنسبة لحياته الأولى وحياة له بالنسبة لحياته التي هو فيها والخلاص من هذه الحياة الدنيا المؤقتة الذي نسميه نحن بالموت ما هو في الواقع إلا رجوع إلى الحياة الأولى فعندما تغلق في الدنيا تلك العيون التي فتحت في الجنة عقابًا على الخطيئة في هذه اللحظة فقط يعود الإنسان إلى شيء مما كان عليه قبل الهبوط إلى هذه الحياة الدنيا قال صلى الله عليه وسلم: «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا» ومعنى الآية أن الله خلق هذه الدنيا بحالتيها من موت وحياة: {ليبلوكم} أي لتكون دار جهد وعمل وصراع بين الإنسان والشيطان وسبيلًا لنيل السعادة وفق دستور سنة لذلك يقضي بأن السعادة لا تنال إلا باتباع هدي الله والشقاء لا يكون إلا بالإعراض عن ذكره تعالى حيث قال: {اهبطا منها جميعًا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى} .
{أيكم أحسن عملًا} أي من منكم يتبع سيرة أبيه آدم فيطيع الله ويرجع إليه بالتوبة والندم عند الزلل فيتوب الله عليه ومن منكم يتبع إبليس في الإصرار على العصيان إلى النهاية فينال ما ناله من