سورة الطلاق: لقد أشار الله في السورة السابقة بوافر عدله إذ جعل الناس أحرارًا في عقائدهم منهم الكافر ومنهم المؤمن ودعا عباده إلى الإيمان به وبرسوله وكتابه وختم السورة بتحذير المؤمنين من الاستسلام للعاطفة وإيثار حب الزوجة والولد على طاعة الله ورسوله فإنهما كثيرًا ما يصدان عن سبيل الله وحث على التسامح معهم والصفح عنهم وعدم هجرانهم ولما كانت المرأة بقوة تأثيرها قد تصد الرجل عن طاعة الله فإنها كثيرًا ما تثير حفيظته وتغضبه وتحمله على طلاقها ولذا أخذ سبحانه وتعالى في هذه السورة يدعو إلى الرأفة بها واستعمال الحكمة معها بالصبر والتريث إذ دعاه إلى تخير الوقت المناسب للطلاق فقال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} لقد وجه الله النداء للنبي بشخصه ثم خاطب أمته إشارة إلى أنه عليه الصلاة والسلام في مقدمة المعنيين بالأمر إذ أنه صلى الله عليه وسلم طلق زوجته حفصة وهي حائض عندما غضب عليها لأنها فشت ما أسرّ به إليها للسيدة عائشة وأظهره الله على ذلك فنبهه الله إلى هذا لم يكن صوابًا والسنة في الطلاق أن يكون في وقت تستطيع معه المرأة أن تبدأ العدة ليجعل الله للرجل من ذلك فرصة لإطفاء ثورة غضبه فقال: {فَطَلِّقُوهُنَّ} وقد قال صلى الله عليه وسلم: «تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز منه عرش الرحمن» وقال أيضًا: «لا تطلقوا النساء إلا من ريبة فإن الله لا يحب الذواقين والذواقات» .
{لِعِدَّتِهِنَّ} أي فليكن طلاقكم لهن في وقت يكن مستقبلات للعدة بمعنى في طهر لم يجامعها فيه رُوِيَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لعبد الله بن عمر عندما طلق امرأته وهي حائض «ما هكذا أمرك الله وإنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالًا وتطلقها لكل قرء طلقة» وأمره أن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر وتحيض عنده حيضة أخرى ثم يمهلها حتى تطهر من حيضها فإذا أراد أن يطلقها فيطلقها حين تطهر من قبل أن يجامعها فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق بها النساء، وفي هذا ما فيه من دلالة على أن القصد عدم الاستعجال بالطلاق في كل وقت بل لا بد من تحري الوقت المناسب له ليجعل الله من هذا فرصة للرجل أن يهدأ من غضبه ويراجع نفسه ولا يتعجل الأمور فيندم على ما فعل: {وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ} وهي ثلاثة قروء والقرء الجمع بين زمن الطهر وزمن الحيض ولذا اشترط أن يكون الطلاق في طهر لم تجامع فيه المرأة حتى يحتسب لها من أصل العدة ولولا ذلك لطالت عليها مدة العدة حتى تصير كأنها أربعة أقراء وفي هذا من الضرر عليها ما لا