سورة التغابن: بعد أن نبه الله رسوله في السورة السابقة إلى أن من الناس من يظهر غير ما يبطن وسماهم المنافقين وحذره من الانخداع بهم وعرفه بأوصافهم وأخبره بما اقتضت سننه فيهم وختم السورة بدعوة المؤمنين إلى دوام الصلة به وعدم التهاون في طاعته أخذ يطري في هذه السورة جليل عظمته ومبلغ عدله ورحمته فقال: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} أي أن جميع الكائنات تشهد بخلقه تعالى لها من غير منازع أو معاون وأنه سبحانه: {لَهُ الْمُلْكُ} أي حق التصرف فيها كيف يشاء: {وَلَهُ الْحَمْدُ} أي أنها جميعًا مدينة له بالحمد والشكر فلولا قضاؤه لما خلقت ولما استقام أمرها وفق هذا النظام العجيب: {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} بمعنى أنه تعالى وحده القادر على إبادة هذا الخلق وإيجاد سواه وتغيير السنن وتبديل النظم لا معارض له في شيء من ذلك قطعًا: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ} من الأساس نفوسًا ذرية لطيفة لا ترى هي أصل الإنسان والعنصر السامي المسيطر على أعضائه والمسؤول عن جميع تصرفاته وقد منحها الله كامل الحرية وآتاها من مختلف الملكات والقوى ما يجعلها تعقل تفكر وتعبر بواسطة الجسم عما ترد وتنفذ ما تشاء ولا يستطيع أحد أن ينكر هذا: {فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ} أي فإذا أنتم مختلفون في الاتجاه والتفكير منكم من يفكر في أمر نفسه ودقائق صنعه فيدرك عظمة الله وآلائه فيؤمن به ويسعى لرضاه، ومنكم من يصرف أنظاره عن هذا السبيل ولا يفكر إلا في أمر جسمه وما يحتاج إليه من غذاء وما يتطلبه من ملذات فيكفر بخالقه ويتبع هواه، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عظيم قدرة الله ووافر عدله إذ منحكم كامل الحرية فلم يجعلكم مقهورين في إرادتكم مسخرين في أعمالكم وتصرفاتكم: {وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي في حين إن ذلك منكم كان تحت سمع الله وبصره وفي إمكانه أن يبيد الكافرين منكم في الحال ولكنه تعالى لم يفعل ذلك لأن ما ذكر هو نتيجة طبيعية للحرية التي منحها لعباده: {خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ} أي وفق الأمر الذي قضى به جل وعلا في خلقهما والحالة التي هما عليها والنظام الذي سنه لهما وسخرهما من أجله فلا يستطيعان أن يحيدا عن ذلك قيد شعرة: {وَصَوَّرَكُمْ} أي جعل لكم صورة وشكلًا: {فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} بما أودعها من دقة الصنع وحسن التنسيق وجمال المنظر ما يتفاوت بتفاوت الأنظار ويختلف باختلاف الأذواق ليجعل من هذا أيضًا دليلًا على عظيم قدرة الله وسبيلًا للهدى أو الضلال فمن قدر الله هذه المنة وشكره عليها كان مؤمنًا حقًّا ومن جهلها وجحد فضل الله مانحها