كل من يضمر العداء للمسلمين ويود إذلالهم حتى يضطروا إلى الجلاء عن أوطانهم إذ: {يَقُولُونَ} في مجالسهم الخاصة والعامة: {لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ} بضم ياء يخرجن وفتحها وقرئ: {لنخرجن} بالنون ونصب الأعز والأذل ظنًّا منهم أنهم هم الأعزة والمؤمنون الأذلة: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ} أي القوة والغلبة: {وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} أي بينما العزة لا تكون إلا لله مصدر جميع القوى والمهيمن على كل شيء ولرسوله المعتز به، وللمؤمنين المعتمدين على نصر الله وحمايته لهم أكثر من اعتمادهم على أنفسهم: {وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ} باعتمادهم على قوتهم: {لا يَعْلَمُونَ} أن عند الله من القوى الخفية ما هو كفيل بالتغلب على جميع القوى المادية وما لا يدخل تحت حصر: {وما يعلم جنود ربك إلا هو} .
بعد أن عرف الله المنافقين بأنهم هم كل من يدعو إلى مقاطعة المؤمنين اقتصاديًّا ويطمع في إجلائهم عن ديارهم عن طريق إذلالهم، وسفه أحلامهم بما أخبر به من أن لله خزائن السماوات والأرض ولله العزة ولرسوله أراد أن يرسم للمؤمنين سبيل نيل ذلك فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} إذا أردتم الغنى والعزة في الأرض فعليكم بإحكام صلتكم بالله وذلك عن طريق الإيمان به والثقة بما عنده والاتكال عليه في كل وقت وفي جميع الحالات و {لا تُلْهِكُمْ} أي تشغلكم: {أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ} الذي هما زينة الحياة الدنيا: {عَن ذِكْرِ اللهِ} أي أداء ما فرضه عليكم وذلك بأن تذكروا أن هذه الأموال والأولاد ما هي إلا من محض فضل الله فلا ينبغي أن تشغلكم عن الاتصال بمانحها المتكرم بها عليكم: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ} بمعنى تشغله مشاغل الحياة الدنيا التي أهمها المال والولد عن طاعة الله: {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} الذين أضاعوا أوقاتهم إرضاء لشهوة نفسية بينما خسروا لذة روحية عظمى وأرباحًا طائلة مضمونة لا ريب في الحصول عليها في الدنيا والآخرة: {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم} من للتبعيض أي وخصصوا جانبًا من أموالكم لمعاونة ذوي الحاجة في هذه الحياة وادخروا ثواب ذلك في الآخرة: {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} فلا يستطيع أن ينفق شيئًا: {فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} أي اجعل لي فسحة في الحياة وأمدد لي في أجلي ولو قليلًا: {فَأَصَّدَّقَ} ابتغاء مرضاتك وطمعًا فيما عندك: {وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ} الذاكرين لك في السر والجهر: {وَلَن يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} أي وهو يعلم أن هذه الأمنية تتنافى وما قضى به الله تعالى من الأزل والذي أبلغ الناس به من قبل في قوله: إذا جاء أجلهم لا يستأخرون