على جميع الأعمال الدنيوية وأخبر رسوله بما عليه حال معظم الناس إزاء طاعة الله أخذ ينبهه سبحانه وتعالى أيضًا في هذه السورة إلى ما هنالك من أقوام يظهرون غير ما يبطنون ويشهدون برسالته ويضمرون العداء له ولدعوته ويحاربونها ويكيدون لها ومن أجل هذا فإنه تعالى يحذره منهم ويأمره بأن لا يخدع بأقوالهم فقال: {إِذَا جَاءكَ} أيها الرسول: {الْمُنَافِقُونَ} أي الذين يظهرون الإيمان ويخفون الكفر: {قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ} فتخدع بهم وتعتبرهم بذلك من المسلمين: {وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} أي في حين أن الله يعلم إنك لرسوله فشهادتهم وعدم شهادتهم على حد سواء وإنما المهم أن يعلموا بما تقتضيه هذه الشهادة فيخلصوا لك ويتبعوا ما جئت به وهذا ما لم يخطر لهم على بال ولذا قال تعالى: {وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} فيما شهدوا به أمامك إنهم: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ} والمراد بها الشهادة إذ هي تجري مجرى الحلف في التأكيد فيقول الرجل أشهد وأشهد بالله: {جُنَّةً} أي سترًا لما يخفونه من كفر: {فَصَدُّوا} أي صرفوا ومنعوا البسطاء والسذج: {عَن سَبِيلِ اللهِ} أي عن طاعة الله ورسوله تحت ستار الإيمان بالله والشهادة بالرسالة: {إِنَّهُمْ سَاءَ} أي بئس: {مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} فلم يكفهم أن كفروا بالله حتى عملوا على التمويه على المسلمين وحملهم على عصيان خالقهم: {ذَلِكَ} أي الذي دعاهم إلى الصد عن سبيل الله: {بِأَنَّهُمْ آمَنُوا} بالله: {ثُمَّ كَفَرُوا} برسالتك بقلوبهم وإن شهدوا بها أمامك ليخدعوك: {فَطُبِعَ} الطبع أن تصور الشيء بصورة ما كطبع السكة والدراهم وهو أعم من الختم وأخص من النقش والمعنى فثبت وسجل: {عَلَى قُلُوبِهِمْ} وما وقر فيها من كفر بالرسالة: {فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ} شيئًا من أسرار التشريع ومقاصد الإسلام وما داموا لا يؤمنون برسالتك: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ} وتحسب أن في داخل هذا الجسم السليم عقلًا سليمًا: {وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} وقرئ «يسمع» بالبناء للمجهول أي تصغي إليهم بمعنى تهتم بما يقولون فتنجلي حقيقة أمرهم ويظهرون بمظهرهم الحقيقي: {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ} بضم الشين وقرئ بسكونها وهي ما غلظ من العيدان: {مُّسَنَّدَةٌ} أي معتمدة على غيرها بمعنى أنهم أجسام بلا عقول كأنهم أشباح بلا أرواح: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} صاح صوت بشدة أي أنه كلما سمعوا زجرًا أو إنذارًا بعذاب حسبوه موجهًا إليهم لما يعرفون من أنفسهم من أنهم يستحقون ذلك فهم يتوقعون هتك أستارهم وكشف أسرارهم والإيقاع بهم ساعة فساعة: {هُمُ} أي المنافقون: {الْعَدُوُّ} الحقيقي