الشيء أو لا تريدون فعله فأنتم في الحالتين كاذبون فقد رُوِيَ أن هذه الآية نزلت في ناس من المؤمنين كانوا يقولون قبل أن يفرض الجهاد وددنا أن الله عز وجل دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به فلما أمروا بالجهاد كرهوا ذلك وشق عليهم أمره كما رُوِيَ أيضًا أنها نزلت في شأن القتال يقول الرجل قاتلت ولم يقاتل وطعنت ولم يطعن وضربت ولم يضرب وصبرت ولم يصبر: {كَبُرَ مَقْتًا} المقت شدة البغض: {عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} أي أن تكونوا قوالين غير فعالين في كل ما يصدر منكم روى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا صبي فذهبت لأخرج لألعب فقالت أمي يا عبد الله تعال أعطك فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما أردت أن تعطيه» قالت تمرًا قال: «أما إنك لو لم تفعلي كتب عليك كذبة» .
{إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ} بكسر التاء وقرئ بفتحها: {فِي سَبِيلِهِ} أي من أحل نيل رضاه وإعلاء كلمته: {صَفًّا} متحدًا مستويًا منظمًا واحدًا بعد الآخر ولذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتولى بنفسه تسوية الصفوف في الصلاة والجنود في ساحات القتال ليمرنهم على الطاعة والاتحاد وقد أخذت الدول عنه هذه القاعدة في التعاليم العسكرية إلى ما قبل الحروب التي استعملت فيها الطائرات والمدافع الثقيلة: {كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ} أي مثبت ملتصق بعضه ببعض بحيث لا يجد العدو بين أفراده ثغرة ينفذ منها مثل القتال بالسيف في ساحة الحرب القتال أيضًا بالقلم واللسان في الحرب الباردة فإن وحدة الصف في الحرب والمقاومة لها أثرها الفعال في اكتساب النصر كما تقضي بذلك سنة الله في الخلق، والمعنى إذا كنتم مؤمنين حقًّا وأردتم العزة والكرامة فلتكونوا جبهة واحدة فعالين لا قوالين ولتكونوا متحدين لا متفرقين ولا متخاذلين، وهنا أمر الله رسوله أن يضرب للمؤمنين الأمثال على ذلك فقال: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ} أي واضرب لقومك مثلًا في مخالفة القول لما ينويه الإنسان في صدره بقصة موسى مع قومه إذ كانوا كلما جاءهم بمعجزة طلبوا سواها وعندما أمرهم بذبح البقرة أظهروا الطاعة ووجهوا إليه عدة أسئلة عنها ليتحرروا من ذبحها ويتخلصوا من طاعته حتى قال لهم: {يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي} بمحاولتكم تكذيبي وتزييف معجزاتي وإحراجي ووضع العراقيل دون قيامي بأداء الرسالة التي عهد بها إليّ: {وَقَد تَّعْلَمُونَ} في سركم: {أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ} بمعنى أني لا أجزم بعلمكم