الصفحة 1508 من 1760

ومقررة لأصول الدعوة التي جاء بها من توحيد الله تعالى والإيمان برسله والبعث والجزاء وعمل الصالحات ومفصلة لما أجمل في سورة يونس من قصص الرسل عليهم السلام فأقسم المولى جل جلاله بالسر الذي أودعه في: {الر} وتنطق هكذا (ألف - لام - راء) أن القرآن الذي أنزل على رسوله محمد بن عبد الله: {كتابٌ أحكمت آياته} أي جعلت آياته محكمة النظم والتأليف واضحة المعاني بليغة الدلالة والتأثير لا تقبل الشك والتأويل ولا يجوز فيها التغيير ولا التبديل: {ثم فصلت} أي جعلت فصولًا متفرقة في عدة سور لبيان الحقائق والأحكام والشواهد والأمثال مما يدعو إلى العظة والاعتبار: {من لدن حكيمٍ} يضع الأمور في مواضعها والكلمات على مدلولاتها فليس فيه زيادة أو نقص: {خبيرٍ} بكل ما جاء فيه من أحكام هي في مصلحة عباده فلا تناقض بين عباراته ولا ناسخ ولا منسوخ في أحكامه وكل ما جاء فيه جار في مجراه وإنما هنالك من الأحكام ما فرضت أولًا بشكل خاص ثم عممت أو قيدت كما ورد في الخمر مثلًا من قوله: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} ثم قوله تعال: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} ثم قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} فالأولى تنهي عن إتيان الصلاة في حال السكر وتشير إلى المقصود من ذلك وهو أنها تجعل الإنسان لا يعي ما يقول وهذا أمر له حكمه في وجوب فهم كلام الله وتدبر معانيه ومنه استنتج الشافعي وجوب تعلم اللغة العربية على الأعجمي. وأما الآية الثانية فإنها تثبت للخمر منافع ومضارًا وأن منع الضر مقدم على جلب النفع وبنى على هذا حرمة استعمال كل ضار. والآية الثالثة توجب اجتنابها لما يؤدي إليه شربها من عداوة وبغض بين الناس وصد عن ذكر الله وهذا يقتضي حرمة كل ما يؤدي إلى إيجاد الخصومة والعداوة بين المسلمين وكذلك ما يؤدي إلى الغفلة عن الصلاة وترك الواجبات وكل حكم من هذه الأحكام قائم بذاته ولا يتنافى مع الأحكام الأخرى، أما القول بأن في القرآن ناسخًا ومنسوخًا فيلوح لي أنه من العيوب التي تنقص من قيمة الدساتير الوضعية، ومتى وجدت فيها كانت دليلًا على جهل الواضعين لها أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت