ولأجل أن يؤكد الله مسئولية الإنسان الشخصية عن كل ما يشاء لنفسه من هداية أو ضلال قال: {قل} أيها الرسول: {يا أيها الناس} في سائر أطراف المعمورة: {قد جاءكم} الكتاب: {الحق} الذي لا مراء فيه أنه: {من ربكم} بخلاف غيره من الكتب السابقة التي تناولها رواتها بالتحريف والتبديل والزيادة والنقص: {فمن اهتدى} بهديه بمعنى سلك سبيل الهداية وطبق أحكامه: {فإنما يهتدي لنفسه} فإنما فائدة ذلك عائدة إليه لأنه هو دون غيره الذي يجني ثمرة الهداية التي ينال بها سعادة الدارين: {ومن ضل} عن الحق باختياره وبإعراضه عن تدبر آيات الله وعدم العمل بمقتضاها: {فإنما يضل عليها} أي فإنما جرم ضلاله عائد على نفسه أيضًا دون غيره فلا يزعم أنه إنما ضل لأن الله قد قضى عليه بالضلال: {وما أنا عليكم بوكيل} أي ولم يوكل الله إليّ أمر السيطرة عليكم حتى أكرهكم على الإيمان وأمنعكم بقوتي عن الكفر والعصيان وليس علي هداكم ولا أملك نفعكم ولا ضركم: {واتبع} أنت أيها الرسول: {ما يوحى إليك} من الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة بعد أن تركت للناس الخيار بين الهدى والضلال: {واصبر} كما صبر أولو العزم من الرسل على ما يصيبك من الأذى في سبيل الله: {حتى يحكم الله} بينك وبين مكذبيك وينجز لك ما وعدك به من النصر المبين: {وهو خير الحاكمين} لأنه لا يحكم إلا بالعدل دون محاباة لأحد أما غيره فقد يحكم بالباطل لجهله حقائق الأمور أو يتأثر بالعواطف مراعاة لخاطر أصحاب الجاه أو المقربين وقد امتثل رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ربه وصبر حتى أنجز الله وعده له ولمن اتبعه من المؤمنين وعم الإسلام مشارق الأرض ومغاربها جزاه الله عن أمته أفضل ما جزى نبيًّا عن قومه وجعلنا من المهتدين بهديه صلى الله عليه وسلم.
سورة هود
الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4) أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (5) وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا