الدنيوية التي يوسوس بها الشيطان من باب أولى: {فاستعذ بالله} أي أن التعوذ بالله من شأنه ومن خصائصه أن يقي الإنسان من وساوس: {من الشيطان} ويجعله يولي هاربًا: {الرجيم} وهو إبليس اللعين الذي طلب من الله الإنظار فأنظره فآلى على نفسه أن يضل عباده ولأجل أن يرد الله كيده في نحره ويقي عباده من شره جعل من حق كل مؤمن أن يطلب منه تعالى أن يعيذه منه فيعيذه برًّا بوعده جل وعلا القائل: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} فالمعنى أن الله الذي جعل لكل شيء خواصًا قد صير الاستعاذة بالله مانعة للشيطان من إلقاء الوسوسة في القلب ورادعة لكيده وقد ذكر الله العلة في ذلك بقوله: {إنه} أي الشيطان: {ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} لأن الله إذ منحه حق غواية الناس قد أعلمه بأنه لا سلطان له على عباده المخلصين وأخذ إبليس علمًا بذلك حيث: {قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال هذا صراط علي مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} وما دامت إرادة الله قد قضت بهذا وجعلت من الاستعاذة درعًا للوقاية من الشيطان فأيما مؤمن صدق بهذا واستعاذ بالله وتوكل عليه في صد الشيطان عنه فقد دخل من غير شك في عداد من منع الشيطان من غوايتهم وأصبح في هدى من ربه القائل: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} وقد أكد الله هذه الحقيقة بقوله: {إنما سلطانه} أي الشيطان الذي منح له إنما هو: {على الذين يتولونه} أي يطيعونه ويتبعونه ولا يستعيذون بالله منه: {والذين هم به مشركون} أي والذين هم بسبب الشيطان ومن أجل ما يلبسه عليهم من زائف الأقوال أضحوا من المشركين وهم لا يشعرون ولعله يعني بهم من يدعون غير الله من الأولياء والصالحين وينتظرون منهم المدد وقضاء الحوائج.
بعد أن أرشد الله المؤمن إلى الطريقة التي تقيه من وساوس الشيطان وفتنه وهي الاستعاذة بالله منه أردف ذلك بالتنبيه إلى أنواع من الشبهات التي يتسرب بها الشيطان إلى قلوب منكري النبوة فيضلها ليحذر الناس منها حيث قال: {وإذا بدلنا آية} في هذا القرآن: {مكان آية} سابقة في الكتب السماوية السابقة تنسخ حكم ما مر من الشرائع: {والله أعلم بما ينزل} أولًا وآخرًا من الأحكام التي تختلف بتطور الزمن فكم من مصلحة في وقت تنقلب مفسدة في وقت آخر